الطهارة عبادة قائمة بحد ذاتها مستقلة عن الصلاة رغم أنها شرط لها، لذلك فمن الطهارة ما هو فرض ومنها ما هو سنة أو نافلة. فالوضوء قبل النوم مستحب، بل كان بعض الصحابة كعبد الله بن عمر رضي الله عنهما لا يُرى جالسا إلاّ طاهرا، كما أن غسل اليدين مستحب قبل الطعام وبعده، والإستنزاه من البول واجب فحين مر صلى الله عليه وآله وسلم على قبرين ذَكَرَ أن أحدهما يعذب في قبره لأنه كان لا يتنزه من البول (8) . ومن الأمور التابعة للطهارة الختان وقص الأظافر وقص الشارب ونتف الإبط، وكل ذلك من حث الإسلام على النظافة، كما أن غسل الميت وشرط طهارة المكان الذي يصلى فيه والثياب التي يلبسها أثناء الصلاة، كل ذلك مما أوجبه الله مما له علاقة بالطهارة.
والمبالغة في الطهارة أمر مستحب، لكن الوسوسة غير ذلك فمتى عرف المرء أنه قد أتم جزءا من أمور الطهارة عليه أنلا يعود إلى ما يشكك الشيطان فيه من ظن بأنه ربما يكون قد أغفل ذلك. كما أن التبذير في إستخدام الماء في الوضوء أو الإستحمام أو الإستنجاء مكروه جريا على أصل كراهة التبذير بصورة عامة: " إن المُبَذرين كانوا إخوانَ الشياطين وكانَ الشيطانُ لرَبّهِ كَفورا " (9) . وللطهارة عند عدم وجود الماء بديل هو التيمم والذي هو فعل لتأكيد القصد رغم أنه لا أثر ظاهر له في إزالة النجاسة، وهذا يشير إلى إختلاف مفهوم الطهارة عن النظافة، فالطهارة والنظافة متداخلتان أحيانا ومختلفتان في أحيان أخرى. ولو لم يكن في الطهارة سوى الفوائد التي لها علاقة بالنظافة لكفى بذلك أمرا يستحق أن يفخر به المسلم. ومن عاش في بلد فيه كثرة من غيرالمسلمين واطلع على دقائق أحوالهم وما ينتشر بينهم من أمراض عرف مقدار النعمة التي أنعم الله بها على المسلمين بأمور الطهارة وما يتعلق بها.
والطهارة الباطنة وهي الأهم تعني تنزيه الباطن عن الإثم والشر والسوء. فتطهير الظاهر ما هو إلاّ وسيلة من وسائل تطهير الباطن، فالقيام بأعمال الطهارة يُذَكِّرُ الإنسان بضرورة الإهتمام بطهارة الباطن والتي تهدف إليها معظم العبادات الأخرى، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في كثير من الآيات مثل قوله تعالى عن ذبح الأضاحي: " لن ينالَ اللّهَ لُحومُها ولا دِماؤها ولكن ينالُهُ التَقوى منكُم " (10) .ـ
ـ 33 ـ أداء الزكاة
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة ... قال: " تعبُدَ اللّهَ لا تُشرِك بهِ شيئا، وتُقيمَ الصلاةَ، وتؤتي الزكاة المَفروضَةَ، وتَصومَ رَمضانَ "، قال والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما ولّى، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " مَن سَرّهُ أن يَنظُرَ إلى رَجُل من أهل الجَنّةِ، فليَنظُر إلى هَذا "
(متفق عليه)
الزكاة المفروضة قرنت بالصلاة في القرآن الكريم في عشرات الآيات، وقال أبو بكر الصديق حين إمتنع الأعراب عن دفع الزكاة: والله لآقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، وَسُمُّوا بالمرتدين لقولهم عن الزكاة أنها كالجزية، أو أنهم دفعوها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كنبي فلا تدفع لأحد من بعده. والزكاة عبادة ذات أثر إجتماعي واضح من تكافل وتعاون ومساعدة للفقراء والمحتاجين. وهي لها أثرها على المرء الذي يدفعها نفسه في مقاومة البخل والحرص والشح وحب الدنيا وتعلق القلب بها، وفي كل ذلك فائدة للمرء نفسه حيث يزداد تقوى وتسمو روحه ويتقرب بذلك إلى الله عز وجل. فالمؤمن الصادق يعتبر المال مال الله قد وكله الله تعالى عليه مدة محدودة (أثناء حياته) ، فهو يستعمله لخير نفسه وذوي قرباه ويبتغي بذلك وجه الله تعالى، ويؤدي حق الله فيه من زكاة مفروضة ويزداد ما استطاع في الصدقات فوق الفريضة، فكل ذلك ذخر له في الآخرة. فقد أنفق أبوبكر الصديق رضي الله عنه كل ماله في سبيل الله وأنفق عمر نصف ماله وأنفق غيرهما الكثير.