وبعد، فقد يسّر الله جمع مائة حديث في أبواب الإستقامة ... ولكن لماذا الإستقامة؟ قال الله تعالى: " إنّ الّذين قالوا رَبُّنا اللّهُ ثُمّ استقاموا تَتَنَزّلُ عَليهمُ المَلائِكَةُ أن لا تَخافوا ولا تَحزَنوا وأبشِروا بالجَنَّةِ الّتي كُنتُم توعَدون " .. فالمسلمون قد مضوا بشطر هذه الآية حيث قالوا ربنا الله فأقروا بشهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله .. أما الشطر الثاني فمعظمهم بعيد عنه ... لقد وعدهم الله، ووعد الله حق .. إذا ما استقاموا أن تتنزل عليهم الملائكة وهي تنادي أن لا تخافوا .. ولاتحزنوا .. وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون .. فالحزن بعيد عمن إستقام .. والخوف بعيد عنه .. وله البشرى .. وله الرزق الحسن .. وأ لَّو استَقامُوا عَلى الطَريقَة لأسقيناهُم ماء غَدَقا لِنَفتِنَهُم فيهِ ومَن يُعرِض عَن ذِكرِ رَبِّهِ يَسلُكهُ عَذابا صَعَدا " .. وما الطريقة التي تريد الآية الإستقامة عليها سوى الطريقة التي سار عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو أول من سلك طريقة الإستقامة قدوة لهذه الأمة مستجيبا لأمر الله تعالى: " فاستَقِم كَما أُمِرتَ " وليس ذلك وحده .. بل: " ومَن تابَ مَعَكَ " .. وطريق الإستقامة هذه تسير بعكس طريق الطغيان .. " ولا تَطغوا، إنَّهُ بِما تَعمَلونَ بَصير ". ويؤكد الله ذلك مرة أخرى على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: " لِذلك فادعُ واستَقِم كَما أُمِرتَ ولا تَتَّبِع أهواءَهُم واحذَرهُم أن يَفتِنوكَ عَن بَعضِ ما أُنزِلَ إليكَ ... " كما أمره أن يخاطب الناس يدعوهم للإستقامة: " قُل إنَّما أنا بَشر مِثلُكُم يوحى إليّ أنَّما إلَهُكُم إله واحِد فاستقيموا إليهِ واستَغفِروهُ وويل للمُشرِكينَ ".
وهكذا يتضح الطريق أمام المؤمن .. فليس له أن يسلك طريقا سواه .. أدع .. إستقم كما أُمرت .. ولا تَتبع أهواء الكافرين والفاسقين والمنافقين .. ثم الحذر أن تزل القدم بالفتنة فيزيغ المرء عن الصراط المستقيم .. ففيما أنزل الله على رسوله الحق .. كل الحق .. وليس غير الحق. ومن ثم تكون الإستقامة خير من ألف كرامة.
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: شِبتَ يا رسول الله! فقال: " شيَّبَتني هود وأخواتُها " .. وماذا في هود مما يشيب الرسل أثقل من قوله تعالى: فاستقم كما أمرت .. فما هو طريق الإستقامة هذا؟ وما عسى المؤمن أن يفعل لكي يسير على هذا الطريق؟ وما الإستقامة التي يريدها الله تعالى لرسوله .. ولمن تاب معه .. ؟ ندعو الله أن يكون في هذا الكتاب الإجابة على ذلك .. فهذا كتاب لمن قال (ربنا الله) .. موقنا بها بصدق ... ثم بعد ذلك تكون هذه الأحاديث مرشدة له على طريق الإستقامة إن شاء الله. ورغم أن بين دفتي الكتاب أكثر من سبعين حديثا آخر ضمن الشرح أو الهوامش، لكنه لا يكاد يستوعب جميع مضامين الإستقامة