الصفحة 19 من 100

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:

" جَعَلَ اللّهُ الرَحمَةَ مائة جُزء فأمسَكَ عندَهُ تسعَة وتِسعينَ، وأنزَلَ في الأرض جُزءا واحدا، فمِن ذلكَ الجُزءِ يتراحَمُ الخَلائِقُ حَتّى تَرفَعُ الدابّة حافِرَها عن وَلَدِها خَشيةَ أن تُصيبَهُ "

(متفق عليه)

لقد خبأ الله تعالى تسعة وتسعين بالمائة من رحمته يرحم بها عباده يوم القيامة. فحسن الظن بالله تعالى مطلوب على الدوام ما لم يتخذ المرء من ذلك ذريعة لكي يستحل المحارم ويرتكب الآثام، وإذا ما وعظه أحد أو نهاه عن ذلك قال إن الله غفور رحيم. قال الله تعالى: " قُل يا عِباديَ الّذين اسرفوا على أنفُسِهِم لا تَقنَطوا مِن رَحمَةِ اللّه إنّ اللّه يَغفِرُ الذُنوبَ جَميعا " (78) ـ. والرجال بحسب أعمالهم ثلاثة: رجُل عمل حسنة فهو يرجو قبولها، ورجل عمل سيئة ثم تاب فهو يرجو المغفرة، والثالث الرجل الكاذب يتمادى في الذنوب ويقول أرجو المغفرة.

قال أحد أصحاب (79) الإمام مالك بن أنس: دخلنا عليه في العشية التي قبض فيها فقلنا يا أبا عبد الله كيف تجدك؟ قال ما أدري ما أقول لكم، غيرأنكم ستعاينون من عفو الله تعالى ما لم يكن لكم في حساب، ثم ما برحنا حتى أغمضناه رضي الله عنه. وهكذا تكون الثقة بالله تعالى وخاصة في تلك اللحظات. ورؤي مالك بن دينار في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟ فقال قدمت على ربي عزوجل بذنوب كثيرة محاها عني حسن ظني به تعالى.

عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إنّ اللّهَ تعالى ليضحَكُ من يأس العبادِ وقنوطهم وقرب الرّحمَةِ منهُم " (80) . هذا وإن اليأس من رحمة الله تعالى من أكبر الذنوب، قال تعالى: " إنّهُ لا ييأسُ من روح اللّهِ إلاّ القومُ الكافرون " (81)

إن الموازنة بين الخوف والرجاء مطلوبة على الدوام، فالخوف يردع عن إرتكاب الذنوب والرجاء يشجع الإنسان على التوبة والإقلاع عن الذنوب. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لو نودي يوم القيامة أنه لن يدخل الجنة إلاّ واحد لرجوت أن أكون أنا، ولو نودي أنه لن يدخل النار إلاّ واحد لخشيت أن أكون أنا. فالمؤمن قبل إرتكاب ذنب يخشىلله ويخافه من سوء العاقبة، أما إذا ارتكب ذنبا فهو يسرع في التوبة ويرجو أن يغفر الله له ويلح في الدعاء ويوقن بالإجابة ويجعل الذنب نصب عينيه يستغفر الله منه كلما تذكره ويرجو رحمة ربه فإنها قريب من المحسنين.

ـ1ـ متفق عليه أي إتفق عليه الشيخان: البخاري ومسلم.

البخاري هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الحافظ الأمين لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال عنه إبن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه. ولد في بخارى سنة 194هـ ورحل في طلب الحديث إلى العراق والشام ومصر وسمع الحديث عن نحو ألف شيخ. قال: خرّجت كتابي هذا من زهاء 600 ألف حديث وما وضعت فيه حديثا إلا وصليت ركعتين وصنفته في 16 سنة وسمعه منه 90 ألف رجل وعدد أحاديثه من دون المكرر 4000 حديث أما إذا حذف منها المعلق والموقوف والمكرر فيبلغ 2760 حديثا. أبتلي بفتنة خلق القرآن فثبت وأخرج من بخارى فتوفي في الطريق ودفن في قرية خرتنك قرب سمرقند سنة 256هـ رضي الله عنه.

ومسلم هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. ولد سنة 204هـ وتوفي سنة 261هـ. قال: صنفت كتابي هذا من 300 ألف حديث مسموعة وقال الحافظ النيسابوري شيخ الحاكم عنه: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم. وكان إذا دخل على البخاري قبّل يده وقال يا طبيب الحديث. يحوي صحيحه 4000 حديث والتكرار فيه أقل من صحيح البخاري.

ـ2ـ التواتر المعنوي هو رواية الحديث بألفاظ مختلفة تدل على المعنى نفسه من قبل عدد كبير جدا من الرواة في كل جيل منهم بحيث يحصل تمام اليقين بنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقد ورد هذا الحديث بألفاظ مثل " إنما الأعمال بالنية أو ألأعمال بالنيات " وغير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت