الصفحة 17 من 100

ومن قنع بما آتاه الله وجد طمأنينة القلب والسعادة، قال الله تعالى: " مَن عَمِلَ صالِحا مِن ذَكَر أو أنثى وهو مُؤمن فلنحيينهُ حياة طيبة " (59) . قال كثير من أهل التفسير: الحياة الطيبة في الدنيا هي القناعة. وقيل أيضا في قوله تعالى: " إن الأبرار لفي نعيم " (60) هو القناعة، وفي قوله تعالى " وإن الفجار لفي جحيم " (61) هو الحرص في الدنيا.

وقد ذم الله تعالى التكاثر في متاع الدنيا وعدّه من الملهيات: " الهاكُمُ التَكاثُرُ حَتّى زُرتُم المقابِرَ " (62) . وهكذا يفلح من قنع بما آتاه الله تعالى وكان رزقه كفافا على قدر حاجته، وسطا بين الغنى والفقر، وهو أفضل من كليهما، لأن خير الأمور أوسطها، فرب غني ألهاه غناه عن معرفة ربه ورب فقير شغله فقره وإكتساب قوته عن عبادة ربه.

ـ 11 ـ الزهد

عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال يا رسول الله دلّني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال:

" إزهد في الدُنيا يحبّكَ اللّهُ وإزهد فيما عند الناسِ يُحبّك الناس "

(إبن ماجه وغيره بأسانيد حسنة) (63)

ضرب الله تعالى أمثلة عديدة للدنيا " كماء أنزلناهُ من السماء فاختَلط به نباتُ الأرضِ " فأصبَحَ هَشيما تَذروهُ الرياحُ " (64) ـ ووصفها بأنها لعب ولهو وأنها متاع الغرور (65) وحذر منها " فلا تغُرّنّكم الحياةُ الدُنيا " (66)

قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أخذ رسول الله بمنكبي فقال: " كن في الدُنيا كأنكَ غريب أو عابرَ سبيل "، وكان إبن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك (67 ـ) قيل في شرح ذلك أن لا يتعلق القلب بالدنيا، إلاّ كما يتعلق الغريب في غير وطنه حيث لا ينبغي له أن يشتغل بما لا ضرورة له. والدار الآخرة هي وطن المؤمن وليست الدنيا.

قال سفيان الثوري (68) : الزهد في الدنيا ليس بأكل الغليظ ولا بلبس العباء ولكنه قصر الأمل.

يحكى أن شيخا معروفا بالزهد كان يسكن في بغداد، أتاه أحد تلامذته مستأذنا إياه بالسفر في حاجة إلى الشام، فقال له إن هناك رجلا صالحا فيها، فإذهب إليه وأقرئه مني السلام وإطلب منه أن يدعو لي، فتخيل التلميذ في ذهنه حال ذلك الرجل أن يكون أزهد من شيخه، فلما ذهب التلميذ إلى الشام، سأل عن الرجل فأرشد إلى قصر مهيب فعجب أن يكون الرجل المقصود هو صاحب هذا القصر، ولما أستأذن على الرجل وجده محاطا بالأبهة والخدم، لكنه وجده متواضعا كريما. فلما أبلغه تحيات الشيخ البغدادي، سأله ألم يطلب شيئا قال بلى طلب أن تدعو له، فرفع الرجل يديه إلى السماء وقال: أللهم أخرج حب الدنيا من قلبه. فازداد التلميذ عجبا على عجبه، ثم ودّعه عائدا إلى بغداد. ولما زار شيخه سأله عن سفره وفيما إذا كان قد لقي الرجل الصالح، قال نعم ولكنه إستحيى أن يخبره بمضمون دعوته، فسأله الشيخ وهل طلبت منه أن يدعو لي قال نعم قال فما كانت دعوته قال قال أللهم أخرج حب الدنيا من قلبه، قال صدق والله يا ولدي، لايغرنك مظهر الزهد علي، أترى ما حولي من المتاع، فنظر التلميذ فلم يجد سوى حصير وإبريق ماء ورأى متاعا باليا لا يكاد يؤبه له، قال فإن قلبي معلق بهذا المتاع حتى إني لأستيقظ في الليل ألتمس الإبريق خشية أن يكون قد سرق.

قال الإمام أحمد بن حنبل: الزهد على ثلاثة أوجه: ترك الحرام وهو زهد العوام، وترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص، وترك ما يشغل العبد عن الله وهو زهد العارفين. وقال الفضيل بن عياض: جعل الله الشر كله في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت