"صفحة رقم 185"
المعنى من جهة تظاهرهم بالإيمان وهم مبطنون للكفر ، قاله جماعة ، أو من حيث عدم عرفانهم بالله وصفاته فظنوا أنه ممن يصح خداعه . فالتقدير الأول مجاز والثاني حقيقة ، أو يكون على حذف مضاف ، أي يخادعون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) والذين آمنوا ، فتارة يكون المحذوف مرادًا وتارة لا يكون مرادًا ، بل مخادعتهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) بمنزلة مخادعة الله ، فجاء: يخادعون الله ، وهذا الوجه قاله الحسن والزجاج .
وإذا صح نسبة مخادعتهم إلى الله تعالى بالأوجه التي ذكرناها ، كما ذكرناها ، فلا ضرورة تدعو إلى أن نذهب إلى أن اسم مقحم ، لأن المعنى يخادعون الذين آمنوا ، كما ذهب إليه الزمخشري ، وقال: يكون من باب: أعجبني زيد وكرمه ، المعنى هذا أعجبني كرم زيد ، وذكر زيد توطئة لذكر كرمه ، والنسبة إلى الإعجاب إلى كرمه هي المقصودة ، وجعل من ذلك والله ورسوله أحق أن يرضوه ، إن الذين يؤذون الله ورسوله وما ذكره في هذه المثل غير مسلم له . وللآيتين الشريفتين محامل تأتي في مكانها ، إن شاء الله تعالى . وأما أعجبني زيد وكرمه ، فإن الإعجاب أسند إلى زيد بجملته ، ثم عطف عليه بعض صفاته تمييزًا لصفة الكرم من سائر الصفات التي انطوى عليها لشرف هذه الصفة ، فصار من المعنى نظيرًا لقوله تعالى: ) وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ( ، فلا يدعي كما ادعى الزمخشري أن الاسم مقحم ، وأنه ذكر توطئة لذكر الكرم . وخادع الذي مضارعه يخادع على وزن فاعل ، وفاعل يأتي لخمسة معان: لاقتسام الفاعلية ، والمفعولية في اللفظ ، والاشتراك فيهما من حيث المعنى ، ولموافقة أفعل المتعدي ، وموافقة المجرد للإغناء عن أفعل وعن المجرد . ومثل ذلك: ضارب زيدًا عمر ، وباعدته ، وواريت الشيء ، وقاسيت . وخادع هنا إما لموافقة الفعل المجرد فيكون بمعنى خدع ، وكأنه قال: يخدعون الله ، ويبينه قراءة ابن مسعود وأبي حياة ، وقد تقدمت . ويحتمل أن يكون خادع من باب المفاعلة ، فمخادعتهم تقدم تفسيرها ، ومخادعة الله لهم حيث أجرى عليهم أحكام المسلمين واكتفى منهم في الدنيا بإظهار الإسلام ، وإن أبطنوا خلافه ، ومخادعة المؤمنين لهم كونهم امتثلوا أحكام المسلمين عليهم .
وفي مخادعتهم هم للمؤمنين فوائد لهم ، من تعظيمهم عند المؤمنين ، والتطلع على أسرارهم فيغشونها إلى أعدائهم ، ورفع حكم الكفار عنهم من القتل وضرب الجزية ، وغير ذلك ، وما ينالون من الإحسان بالهداية وقسم الغنائم . وقرأ: وما يخادعون ، الحرميان ، وأبو عمرو . وقرأ باقي السبعة: وما يخدعون . وقرأ الجارود بن أبي سبرة ، وأبو طالوت عبد السلام بن شداد: وما يخدعون مبنيًا للمفعول . وقرأ بعضهم: وما يخادعون ، بفتح الدال مبنيًا للمفعول . وقرأ قتادة ، ومورق العجلي: وما يخدعون ، من خدّع المشدّد مبنيًا للفاعل ، وبعضهم يفتح الياء والخاء وتشديد الدال المكسورة . فهذه ست قراءات توجيه: الأولى: أن المعنى في الخداع إنما هو الوصول إلى المقصود من المخدوع ، بأن ينفعل له فيما يختار ، وينال منه ما يطلب على غرة من المخدوع وتمكن منه وتفعل له ، ووبال ذلك ليس راجعًا للمخدوع ، إنما وباله راجع إلى المخادع ، فكأنه ما خادع ولا كاد إلا نفسه بإيرادها موارد الهلكة ، وهو لا يشعر بذلك جهلًا منه بقبيح انتحاله وسوء مآله . وعبر عن هذا المعنى بالمخادعة على وجه المقابلة ، وتسمية الفعل الثاني باسم الفعل الأول المسبب له ، كما قال: