"صفحة رقم 176"
الثاني: أنه من باب التمثيل كقولهم: طارت به العنقاء ، إذا أطال الغيبة ، وكأنهم مثلت حال قلوبهم بحال قلوب ختم الله عليها . الثالث: أنه نسبه إلى السبب لما كان الله هو الذي أقدر الشيطان ومكنه أسند إليه الختم . الرابع: أنهم لما كانوا مقطوعًا بهم أنهم لا يؤمنون طوعًا ولم يبق طريق إيمانهم إلا بالجاء وقسر وترك القسر عبر عن تركه بالختم . الخامس: أن يكون حكاية لما يقوله الكفار تهكمًا كقولهم: ) قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ ). السادس: أن الختم منه على قلوبهم هو الشهادة منه بأنهم لا يؤمنون . السابع: أنها في قوم مخصوصين فعل ذلك بهم في الدنيا عقابًا عاجلًا ، كما عجل لكثير من الكفار عقوبات في الدنيا . الثامن: أن يكون ذلك فعله بهم من عير أن يحول بينهم وبين الإيمان لضيق صدورهم عقوبة غير مانعة من الإيمان . التاسع: أن يفعل بهم ذلك في الآخرة لقوله تعالى: ) وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا ). العاشر: ما حكى عن الحسن البصري ، وهو اختيار أبي علي الجبائي ، والقاضي ، أن ذلك سمة وعلامة يجعلها الله تعالى في قلب الكافر وسمعه ، تستدل بذلك الملائكة على أنهم كفار وأنهم لا يؤمنون . انتهى ما قاله المعتزلة . والمسألة يبحث عنها في أصول الدين . وقد وقع قوله: ) وَعَلَى سَمْعِهِمْ ( بين شيئين: يمكن أن يكون السمع محكومًا عليه مع كل واحد منهما ، إذ يحتمل أن يكون أشرك في الختم بينه وبين القلوب ، ويحتمل أن يكون أشرك في الغشاوة بينه وبين الأبصار . لكن حمله على الأول أولى للتصريح بذلك في قوله: ) وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ). وتكرير حرف الجر يدل على أن الختم ختمان ، أو على التوكيد ، إن كان الختم واحدًا فيكون أدل على شدة الختم .
وقرأ ابن أبي عبلة أسماعهم فطابق في الجمع بين القلوب والأسماع والأبصار . وأما الجمهور فقرؤوا على التوحيد ، إما لكونه مصدرًا في الأصل فلمح فيه الأصل ، وإما اكتفاء بالمفرد عن الجمع لأن ما قبله وما بعده يدل على أنه أريد به الجمع ، وإما لكونه مصدرًا حقيقة وحذف ما أضيف إليه لدلالة المعنى أي حواس سمعهم . وقد اختلف الناس في أي الحاستين السمع والبصر أفضل ، وهو اختلاف لا يجدي كبير شيء . والإمالة في أبصارهم جائزة ، وقد قرىء بها ، وقد غلبت الراء المكسورة حرف الاستعلاء ، إذ لولاها لما جازت الإمالة ، وهذا بتمامه مذكور في النحو . وقرأ الجمهور: غشاوة بكسر الغين ورفع التاء ، وكانت هذه الجملة ابتدائية ليشمل الكلام الإسنادين: إسناد الجملة الفعلية وإسناد الجملة الابتدائية ، فيكون ذلك آكد لأن الفعلية تدل على التجدد والحدوث ، والإسمية تدل على الثبوت . وكان تقديم الفعلية أولى لأن فيها أن ذلك قد وقع وفرغ منه ، وتقديم المجرور الذي هو على أبصارهم مصحح لجواز الابتداء بالنكرة ، مع أن فيه مطابقة بالجملة قبله لأنه تقدم فيها الجزء المحكوم به . وهذه كذلك الجملتان تؤول دلالتهما إلى معنى واحد ، وهو منعهم