"صفحة رقم 90"
سألوه الصلح . قال الشعبي: بلغ الهدى محله ، وظهرت الروم على فارس ، ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب على المجوس ، وأطعموا كل خيبر .
وقال الزهري: لم يكن فتح أعظم من فتح الحديبية ، اختلط المشركون بالمسلمين وسمعوا كلامهم ، وتمكن الإسلام من قلوبهم ، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير ، وكثر بهم سواد الإسلام . قال القرطبي: فما مضت تلك السنون إلا والمسلمون قد جاءوا إلى مكة في عشرة آلاف . وقال موسى بن عقبة: قال رجل منصرفهم من الحديبية: ما هذا الفتح ؟ لقد صدونا عن البيت . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ): ( بل هو أعظم الفتوح ، قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادكم بالراح ، ويسألونكم القضية ، ويرغبوا إليكم في الأمان ، ورأوا منكم ما كرهوا ) . وكان في فتحها آية عظيمة وذلك أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة ، فتمضمض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، ثم مجه فيها ، فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه . وقيل: فجاش الماء حتى امتلأت ، ولم ينفد ماؤها بعد .
وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف يكون فتحًا ، وقد أحصروا فنحروا وحلقوا بالحديبية ؟ قلت: كان ذلك قبل الهدنة ، فلما طلبوها وتمت كان فتحًا مبنيًا . انتهى . وفي هذا الوقت اتفقت بيعة الرضوان ، وهو الفتح الأعظم ، قاله جابر بن عبد الله والبراء بن عازب ، وفيه استقبل فتح خيبر وامتلأت أيدي المؤمنين خيرًا ، ولم يفتحها إلا أهل الحديبية ، ولم يشركهم أحد من المتخلفين عن الحديبية . وقال مجاهد: هو فتح خيبر . وفي حديث مجمع بن جارية: شهدنا الحديبية ، فلما انصرفنا ، إذ الناس يهزون الأباعر ، فقيل: ما بال الناس ؟ قالوا: أوحى الله للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، قال: فخرجنا نرجف ، فوجدنا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) عند كراع الغميم ، فلما اجتمع الناس ، قرأ النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ): ) إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ). قال عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه: أوفتح هو يا رسول الله ؟ قال: ( نعم ، والذي نفسي بيده إنه لفتح ) . فقسمت خيبر على أهل الحديبية ، ولم يدخل فيها أحد إلا من شهد الحديبية . وقال الضحاك: الفتح: حصول المقصود بغير قتال ، وكان الصلح من الفتح ، وفتح مكة بغير قتال ، فتناول الفتحين: الحديبية ومكة . وقيل: فتح الله تعالى له بالإسلام والنبوّة والدعوة بالحجة والسيف ، ولا فتح أبين منه وأعظم ، وهو رأس الفتوح كلها ، إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو تحته ومتشعب منه . وقيل: قضينا لك قضاءً بينًا على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل ، ليطوفوا بالبيت من الفتاحة ، وهي الحكومة ، وكذا عن قتادة .
قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة ؟ قلت: لم يجعل علة للمغفرة ، ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي: المغفرة ، وإتمام النعمة ، وهداية الصراط المستقيم ، والنصر العزيز ؛ كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة ، ونصرناك على عدوّك ، لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل . ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث أنه جهاد للعدوّ ، وسبب للغفران والثواب والفتح والظفر بالبلد عنوة أو صلحًا ، بحرب أو بغير حرب ، لأنه منغلق ما لم يظفر ، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح . انتهى . وقال ابن عطية: المراد هنا: أن الله فتح لك لكي يجعل ذلك علامة لغفرانه لك ، فكأنها صيرورة ، ولهذا قال عليه السلام: ( لقد أنزلت عليّ الليلة سورة هي أحب إلييّمن الدنيا ) . انتهى . ورد بأن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها ، ولو جاز بحال لجاز: ليقوم زيد ، في معنى: ليقومّن زيد . انتهى . أما الكسر ، فقد علل بأنه شبهت تشبيهًا بلام كي ، وأما النصب فله أن يقول: ليس هذا نصبًا ، لكنها الحركة التي تكون مع وجود النون ، بقيت بعد حذفها دلالة على الحذف ، وبعد هذا ، فهذا القول ليس بشيء ، إذ لا يحفظ من لسانهم: والله ليقوم ، ولا بالله ليخرج زيد ، بكسر اللام وحذف النون ، وبقاء الفعل مفتوحًا . ) وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ( ، بإظهارك على عدوّك ورضاه عنك ، وبفتح مكة والطائف وخيبر ) نَصْرًا عَزِيزًا ( ، أي بالظفر والتمكن من الأعداء بالغنيمة والأسر والقتل نصرًا فيه عز ومنعة . وأسندت العزة إليه مجازًا ، والعزيز حقيقة هو المنصور( صلى الله عليه وسلم ) ) . وأعيد لفظ الله في: ) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا ( ، لما بعد عن ما عطف عليه ، إذ في الجملتين قبله