فهرس الكتاب

الصفحة 3362 من 4224

"صفحة رقم 176"

فقد جئنا خراسانًا

وحقيقتها أنها جواب شرط يدل عليه الكلام ، كأنه قال: إن صح ما قلتم من أن أقصى ما يراد بنا قلنا القفول: قد جئنا خراسانًا ، وإذا أمكن جعل الفاء عاطفة ، لم يتكلف إضمار شرط ، وجعل الفاء جوابًا لذلك الشرط المحذوف ، لا تعلمون لتفريطكم في طلب الحق واتباعه . وقيل: لا تعلمون البعث ولا تعرفون به ، فصار مصيركم إلى النار ، فتطلبون التأخير . ) فَيَوْمَئِذٍ (: أي يوم إذ ، يقع ذلك من إقسام الكفار وقول أولي العلم لهم . وقرأ الكوفيون: ) لاَّ ينفَعُ ( ، بالياء هنا وفي الطول ، ووافقهم نافع في الطول ؛ وباقي السبعة بتاء التأنيث . ) وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ( ، قال الزمخشري: من قولك: استعتبنى فلان فأعتبته: أي استرضاني فأرضيته ، وذلك إذا كان جانيًا عليه ، وحقيقته: أعتبته: أزلت عتبه . ألا ترى إلى قوله: غضبت تميم أن يقتل عامر

يوم النثار فأعتبوا بالصيلم

كيف جعلهم غضابًا . ثم قال: فأعتبوا: أي أزيل غضبهم ، والغضب في معنى العتب ، والمعنى: لا يقال لهم أرضوا ربكم بتوبة وطاعة ، ومثله قوله تعالى: )فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ ). فإن قلت: كيف جعلوا غير مستعتبين في بعض الآيات ، وغير معتبين في بعضها ؟ وقوله: ) وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مّنَ الْمُعْتَبِينَ ( ؟ قلت: أما كونهم غير مستعتبين ، فهذا معناه ؛ وأما كونهم غير معتبين ، فمعناه أنهم غير راضين بما هم فيه ؛ فشبهت حالهم بحال قوم جنى عليهم ، فهم عاتبون على الجاني ، غير راضى ن منه . فإن يستعتبوا الله: أي يسألوه إزالة ما هم فيه ، فما هم من المجابين إلى إزالته . وقال ابن عطية: هذا إخبار عن هول يوم القيامة ، وشدّة أحواله على الكفرة في أنهم لا ينفعهم الاعتذار ، ولا يعطون عتبى ، وهو الرضا . ويستعتبون بمعنى: يعتبون ، كما تقول: يملك ويستملك . والباب في استفعل أنه طلب الشيء وليس هذا منه ، لأن المعنى لا يفسد إذا كان المفهوم منه ، ولا يطلب منهم عتبى . انتهى . فيكون استفعل في هذا بمعنى الفعل المجرد ، وهو عتب ، أي هم من الإهمال وعدم الالتفات إليهم بمنزلة من لا يؤهل للعتب . وقد قيل: لا يعاتبون على سيئاتهم ، بل يعاقبون . وقيل: لا يطلب لهم العتبى . وقيل: لا يلتمس منهم عمل وطاعة ، ولكن ضربنا إشارة إلى إزالة الأعذار والإتيان بما فوق الكفاية من الإنذار . وقال الزمخشري: وصفنا لهم كل صفة كأنها مثل في غرابتها ، وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن ، كصفة المبعوثين يوم القيامة ، وما يقال لهم ، وما لا يقع من اعتذارهم ، ولا يسمع من استعتابهم ، ولكنهم لقسوة قلوبهم ومج أسماعهم حديث الآخرة ، إذا جئتهم بآية من آيات القرآن قالوا: أجئتنا بزور باطل ؟ انتهى . و ) أَنتُمْ (: خطاب للرسول والمؤمنين ، أي: تبطلون في دعواكم الحشر والجزاء . وقال أبو عبد الله الرازي: وفي توحيد الخطاب بقول: ) وَلَئِن جِئْتَهُمْ ( ، والجمع في قوله: ) إِنْ أَنتُمْ ( لطيفة ، وهي: أن الله عز وجل قال: ) وَلَئِن جِئْتَهُمْ ( بكل آية جاءت بها الرسل ، فيمكن أن يجاوبوه بقوله: أنتم كلكم أيها المدعون الرسالة مبطلون .

( كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ (: أي مثل هذا الطبع يطبع الله ، أي يحتم على قلوب الجهلة الذين قد حتم الله عليهم الكفر في الأزل ، وأسند الطبع إلى ذاته تعالى ، إذ هو فاعل ذلك ومقدره . وقال الزمخشري: ومعنى طبع الله: صنع الألطاف التي يشرح لها الصدور حتى تقبل الحق ، ثم قال: فكأنه كذلك تصدأ القلوب وتقسو قلوب الجهلة حتى يسموا المحقين مبطلين ، وهم أعرف خلق الله في تلك الصفة . انتهى ، وهو على طريقة الاعتزال . ثم أمره تعالى بالصبر على عداوتهم ، وقوّاه بتحقق الوعد أنه لا بد من إنجازه والوفاء به ، ونهاه عن الاهتزاز بكلامهم والتحرك ، فإنهم لا يقين لهم ولا بصيرة . وقرأ ابن أبي إسحاق ، ويعقوب: ولا يستحقنك: بحاء مهملة وقاف ، من الاستحقاق ؛ والجمهور: بخاء معجمة وفاء ، من الاستخفاف ؛ وسكن النون ابن أبي عبلة ويعقوب ، والمعنى: لا يفتننك ويكونوا أحق بك من المؤمنين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت