"صفحة رقم 387"
الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ).
المؤمنون: ( 93 ) قل رب إما . . . . .
لما ذكر ما كان عليه الكفار من ادعاء الولد والشريك له ، وكان تعالى قد أعلم نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ) أنه ينتقم منهم ولم يبين إذ ذاك في حياته أم بعد موته ، أمره بأنه يدعو بهذا الدعاء أي إن ترني ما تعدهم واقعًا بهم في الدنيا أو في الآخرة فلا تجعلني معهم ، ومعلوم أنه عليه السلام معصوم مما يكون سببًا لجعله معهم ، ولكنه أمره أن يدعو بذلك إظهارًا للعبودية وتواضعًا لله ، واستغفار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) إذا قام من مجلسه سبعين مرة من هذا القبيل . وقال أبو بكر: وليتكم ولست بخيركم . قال الحسن: كان يعلم أنه خيرهم ولكن المؤمن يهضم نفسه .
وجاء الدعاء بلفظ الرب قبل الشرط وقبل: الجزاء مبالغة في الابتهال إلى الله تعالى والتضرع ، ولأن الرب هو المالك الناظر في مصالح العبد . وقرأ الضحاك وأبو عمر إن الجوني ترئني بالهمز بدل الياء ، وهذا كما قرىء فأما ترئن ولترؤن بالهمز وهو إبدال ضعيف ،
المؤمنون: ( 95 ) وإنا على أن . . . . .
ثم أخبر تعالى أنه قادر على تعجيل العذاب لهم كما كانوا يطلبون ذلك وذلك في حياته عليه الصلاة والسلام ولكن تأخيره لأجل يستوفون ، والجمهور على أن هذا العذاب في الدنيا . فقيل: يوم بدر . وقيل: فتح مكة . وقيل: هو عذاب الآخرة .
المؤمنون: ( 96 ) ادفع بالتي هي . . . . .
ثم أمره تعالى بحسن الأخلاق والتي هي أحسن شهادة أن لا إله إلاّ الله و ) السَّيّئَةُ ( الشرك . وقال الحسن: الصفح والإغضاء . وقال عطاء والضحاك: السلام إذا أفحشوا . وحكى الماوردي: ) ادْفَعْ ( بالموعظة المنكر والأجود العموم في الحسنى وفيما يسوء و ) الَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ( أبلغ من الحسنة للمبالغة الدال عليها أفعل التفضيل ، وجاء في صلة التي ليدل على معرفة السامع بالحالة التي هي أحسن . قيل: وهذه الآية منسوخة بآية السيف . وقيل: هي محكمة لأن المداراة محثوث عليها ما لم يؤد إلى ثلم دين وإزراء بمروءة . ) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ( يقتصي أنها آية موادعة ، والمعنى بما يذكرون ويصفونك به مما أنت بخلافه .
المؤمنون: ( 97 - 98 ) وقل رب أعوذ . . . . .
ثم أمره تعالى أن يستعيذ من نحسات الشياطين والهمز من الشيطان عبارة عن حثه على العصيان والإغراء به كما يهمز الرائض الدابة لتسرع ، ثم أمره أن يستعيذ بسورة الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه . وقال ابن زيد: همز الشيطان الجنون ، والظاهر أنه أمر بالاستعاذة من حضور الشياطين في كل وقت . وعن ابن عباس عند تلاوة القرآن .
المؤمنون: ( 99 - 100 ) حتى إذا جاء . . . . .
( حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ( قال الزمخشري: ) حَتَّى ( يتعلق بيصفون أي لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت ، والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد للإغضاء عنهم مستعينًا بالله على الشيطان أن يستنزله عن الحلم ويغريه على الانتصار منهم ، أو على قوله وإنهم لكاذبون انتهى . وقال ابن عطية: ) حَتَّى ( في هذا الموضع حرف ابتداء ، ويحتمل أن تكون غاية مجردة بتقدير كلام محذوف والأول أبين لأن ما بعدها هو المعنى به المقصود ذكره انتهى . فتوهم ابن عطية أن حتى إذا كانت حرف ابتداء لا تكون غاية وهي إذا كانت حرف ابتداء لا تفارقها الغاية ولم يبين الكلام المحذوف المقدر . وقال أبو البقاء ) حَتَّى ( غاية في معنى العطف ، والذي يظهر لي أن قبلها جملة محذوفة تكون حتى غاية لها يدل عليها ما قبلها التقدير: فلا أكون كالكفار الذين تهمزهم الشياطين ويحضرونهم ) حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ( ونظير حذف هذه الجملة قول الشاعر:
فيًا عجبًا حتى كليب تسبني
أي يسبني الناس حتى كليب ، فدل ما بعد حتى على الجملة المحذوفة وفي الآية دل ما قبلها عليها . وقال القشيري: احتج تعالى عليهم وذكرهم قدرته ثم قال: مصرون على الإنكار )حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ( تيقن ضلالته وعاين الملائكة ندم ولا ينفعه الندم انتهى . وجمع الضمير في ) ارْجِعُونِ ( إما مخاطبة له تعالى مخاطبة الجمع