الصفحة 7 من 82

قال كعب: من أكثر ذكرَ الله برىء من النفاق.

فهنيئا لمن شغل وقته ولسانه بذكر الله، هنيئًا له أن يكون بريئًا من النفاق وأهله.

ومنها: أنه سبب لاشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب الفحش والباطل.

فان العبد لا بد له من أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى، وذكر أوامره، تكلم بهذه المحرمات أو بعضِها، ولا سبيل إلى السلامة منها البتة إلا بذكر الله.

ولذلك قال بعض السلف: إذا طال المجلس كان للشيطان نصيب.

فهذا اللسان لا بد أن يتكلم، فحينما يجلس الإنسان الجلسات الطويلة، والجلسات الدائمة بالقيل والقال لا بد أن يقع بغيبة أو نميمة، وهذا أمر مجرب ومشاهد، فمن عوّد لسانه ذكر الله تعالى صان الله لسانه عن الباطل واللغو، ومن يَبِسَ لسانُه عن ذكر الله تعالى ترطب بكل باطل ولغو وفحش.

فإما لسان ذاكر وإما لسان لاغ، ولا بد من أحدهما، فهي النفس إن لم تُشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وهو القلب إن لم تُسْكنْه محبةَ الله سكنه محبة المخلوقين ولابد، وهو اللسان: إن لم تُشغلهُ بالذكر شغلك باللهو، وهو عليك ولا بد.

ومنها: أن دوام ذكر الرب تبارك وتعالى يوجب الأمان من النسيان الذي هو سببُ شقاءِ العبد في معاشه ومعادهِ.

فإن نسيان الرب سبحانه وتعالى يُوجِبُ نسيان نفسهِ ومصالحها كما قال تعالى (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) وإذا نسي العبدُ نفسه، أعرض عن مصالحها ونسيَها، واشتغل عنها فهلكت وفسدت ولا بد، كإنسان له زرع أو بستان أو ماشيةً أو غير ذلك فأهمله ونسيه، واشتغل عنه بغيره، وضيع مصالحَه، فإنه يفسد ولا بد.

ولو لم يكن في فوائد الذكر وإدامته إلا هذه الفائدة وحدها لكفى بها، فمن نسي اللهَ تعالى أنساهُ نفسَه في الدنيا، ونسيَه في العذاب يوم القيامة كما قال الله تعالى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى) .

ومنها: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، وأن يباهي بالذاكرين.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلاَئِكَةً سَيَّارَةً فُضْلًا يَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ - قَالَ - فَيَسْأَلُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ فَيَقُولُونَ جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ. قَالَ وَمَاذَا يَسْأَلُونِي قَالُوا يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ. قَالَ وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي قَالُوا لاَ أَيْ رَبِّ. قَالَ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي قَالُوا وَيَسْتَجِيرُونَكَ. قَالَ وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي قَالُوا مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ. قَالَ وَهَلْ رَأَوْا نَارِي قَالُوا لاَ. قَالَ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي قَالُوا وَيَسْتَغْفِرُونَكَ - قَالَ - فَيَقُولُ قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا - قَالَ - فَيَقُولُونَ رَبِّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت