الصفحة 13 من 82

وقال مصرف في دعائه: بعرفة: اللهم لا ترد الناس لأجلي.

وقد كان السلف يحاسبوا أنفسهم فأثمرت هذه المحاسبة استصغار العمل، ودنو الأجل، واتهام النفس.

فهذا محمد بن واسع يقول: لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد أن يجلس إليّ.

وقال أبو حفص: من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يسوقها إلى مكروهها في سائر أوقاته، كان مغرورًا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومًا وخرجت معه حتى دخل حائطًا فسمعتُه يقول وبيني وبينه جدار: عمر!! أمير المؤمنين!! بخٍ بخٍ، واللهِ بُنَيّ الخطاب لتتقينّ الله أو ليعذبنّك). وجاء رجل يشكو إلى عمر وهو مشغول فقال له: أَتَتْركون الخليفة حين يكون فارغًا حتى إذا شُغِل بأمر المسلمين أتيتموه؟ وضربه بالدرّة، فانصرف الرجل حزينًا، فتذكّر عمر أنه ظلمه، فدعا به وأعطاه الدرّة، وقال له: (اضربني كما ضربتُك) فأبى الرجل وقال: تركت حقي لله ولك. فقال عمر: إما أن تتركه لله فقط، وإما أن تأخذ حقّك، فقال الرجل: تركته لله، فانصرف عمر إلى منزله فصلّى ركعتين ثم جلس يقول لنفسه: يا ابن الخطاب: كنتَ وضيعًا فرفعك الله، وضالًا فهداك الله، وضعيفًا فأعزّك الله، وجعلك خليفةً، فأتى رجلٌ يستعين بك على دفع الظلم فظلمتَه؟!! ما تقول لربّك غدًا إذا أتيتَه؟ وظلّ يحاسب نفسَه حتى أشفق الناس عليه. وقال إبراهيم التيمي: مثّلتُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثّلتُ نفسي في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس أيّ شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أُردّ إلى الدنيا فأعمل صالحًا! قلتُ: فأنتِ في الأمنية فاعملي.

ويُحكى أن حسان بن أبي سنان مرّ بغرفة فقال: متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه، فقال: تسألين عمّا لا يَعْنيكِ؟! لأعاقبنّك بصيام سنة، فصامها.

واعلم أخي المسلم أن الاطلاع على عيوب النفس يثمر مقت النفس وازدرائها، وهذا يرفع العبد عند الله درجات.

قال ابن القيم: ومقت النفس في ذات الله من صفات الصديقين، ويدنو به العبد من الله تعالى في لحظه واحدة أضعاف ما يدنو بالعمل.

ثم قال ابن القيم:

ومنها: أنه يعرف بذلك حق الله تعالى عليه، ومن لم يعرف حق الله تعالى عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه، وهي قليلة المنفعة جدًا.

وهذا من أعظم فوائد محاسبة النفس، فإن الإنسان يعرف بها فضل الله العظيم، وذلك حينما يقارن نعم الله عليه تترى وتتزايد، وهو مفرط في جنب الله تعالى، إن ذلك يكون رادعًا له عن فعل كل مشين وقبيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت