فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 24

ولقد عانى المسلمون الأمرين من هؤلاء وهؤلاء .. الفرق الباطنية التي خرجت على إجماع الأمة بخبث ومكر ودهاء، وشرعت في نسف أصول وحدة الأمة وتحطيم قادتها، وتشويه عظمائها وأشرافها، وفرق الخوارج المارقة والمتشددين الجهلة خرجوا على إجماع الأمة بجهل وغباء، فأعملوا السيف فيها، وشقوا عصاها وأرادوا حمل الأمة على ما ظنوه حقًا فأفسدوا على المسلمين دينهم، ووحدتهم وكانوا عونًا لأعداء الله المتربصين.

وهكذا ابتلي الإسلام في تاريخه بعدوين لدودين، عدو خبيث ماكر، وعدو جاهل غبي.

والعصمة من هؤلاء وهؤلاء في فهم أصل الإجماع، وتبرئة من برأهم الله، والحرص على اجتماع الكلمة ولم الشعث واجتماع الصفوف، والتنادي إلى نبذ الخلاف، والاعتصام بجماعة أهل الإسلام، والالتقاء على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

رابعًا: الاستبصار برأي أهل العلم والفقه والبصيرة:

الأصل الرابع من الأصول التي يجب معرفتها والعمل بها للوصول إلى وحدة الأمة وتوحيد كلمتها وصراطها، هو وجوب الرجوع في المشكلات والمتشابهات، إلى أهل العلم والرأي والفقه والبصيرة. وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الناس متفاوتين في الفهم والبصيرة، وليس كل من حمل علمًا كان فقيهًا مستبصرًا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه] (أخرجه أحمد وابن ماجة عن أنس) . فشتان بين حفظ العلم وفهمه وفقهه .. الأول قد يكون مقدورًا عليه عند كثير من الناس والثاني يقل ويندر .. ألا ترى عند بعض الأطفال قدرة عظيمة على حفظ النصوص، ولكنهم مع ذلك يحملون قدرة محدودة على فقهها وفهمها .. وهناك أيضًا كثير من الكبار قد يحفظون القرآن ولا يفقهون معانيه وقد يحفظون جانبًا عظيمًا من الأحاديث وليست لهم خبرة كبيرة في فهم معانيها وطرق استنباط الأحكام منها.

ولهذا وجب على المسلم المستبصر أن يعود إلى من حباهم الله سبحانه وتعالى علمًا وفقهًا وحسن رأي ومشورة فيما أشكل عليه من أمر الدين، وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بذلك حيث قال جل وعلا: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} (النساء:83) .

وفي الآية يعيب سبحانه وتعالى عن بعض ضعفاء البصائر والعقول ممن يذيعون كل خبر وينشرون كل ما يفيد أمنا في غير مكانه، وخوفًا في غير موضعه، فيرجفون ويفسدون .. يعيب الله على هؤلاء أنهم يجب عليهم أن يرجعوا كل خير إلى أهل الرأي والمشورة والعلم والاستنباط، ليدلوهم على مدلول الخير، ومفهوم النص ومراميه، ولماذا أمر الرسول بكذا ونهى عن كذا، ووجه إلى كذا، ولم يوجه إلى كذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت