وتكثر الروايات فيما كان من كتابة الصحابة بعد انتقاله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إلى الرفيق الأعلى، ففي مسند الإمام أحمد عن أبي عثمان النَّهدي قال: كنا مع عتبة بن فَرقَد فكتب إليه عمر بأشياء يحدثه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان فيما كتب إليه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"لا يَلبَسُ الحريرَ في الدنيا إلا من ليس له في الآخرة منه شيء، إلا هكذا"وقال بإصبعيه السبابة والوسطى. قال أبو عثمان: فرأيت أنها أزرار الطيالسة. ولقد كان بعض الصحابة ينقل عن بعضٍ، فعروة بن الزبير ـ رضي الله عنه ـ ينقل عن خالته السيدة عائشة رضوان الله عليها فتقول له: يا بنيَّ، بلغني أنك تكتب عنِّي الحديث ثم تعود فتكتبه. فقال لها: أسمعه منك على شيء ثم أعود فأسمعه على غيره. فقالت: هل تسمع في المعنى خلافًا؟ قال: لا. قالت: لا بأس بذلك.
وبَشير بن نَهيك يكتب عن أبي هريرة ويجيزه أبو هريرة بالرواية عنه، يقول بشير كما يذكر كتاب"السنة قبل التدوين: نقلا عن كتاب"المحدِّث الفاضل"وغيره: أتيت أبا هريرة بكتابي الذي كتبته، فقرأته عليه، فقلت: هذا سمعته منك؟ قال: نعم."
وكان لابن عباس ـ رضي الله عنه ـ ألواح يكتب فيها عن الصحابة، مثل أبي رافع صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بل لقد وصل الأمر بأنس، رضي الله عنه، الذي لازم رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ملازمة تكاد تكون تامةً طيلة عشر سنوات أنه كان يُملي الحديث على جموع من الطالبين، فإذا أكثر الناس واحتاجوا إلى صحف يكتبون فيها جاء إليهم بها من عنده فألقاها إليهم ثم قال: هذه أحاديث سمعتها وكتبتها عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعرضتها عليه.
وكان يقول ـ رضي الله عنه ـ لبنيه: يا بنيَّ قَيِّدوا العلم بالكتاب.