لقد حاول كثير مِن الناس الانْسلاخ مِن آيات الله ـ سبحانه وتعالى ـ لقد حاولوا الانسلاخ مِنها، وهي مُلتصقة بهم الْتصاقَ جلْد الإنسان بالإنسان، وانْسلخوا منها بعدَ لَأْيٍ، وعلَى خلاف الفِطْرة، وعلى وَضْعٍ لا يُلائم النظام الطبيعي، وانْسلخوا بذلك مِن محيط الأُلُوهية، إنهم خرَجوا عن سُرادق الأُلوهية، وخرَجوا عن أن يكونوا مِن عباد الله، فتَهيَّؤوا بصَنِيعهم هذا ليَكونوا مِن أتباع الشيطان، وسهُل على الشيطان غَزْوُهم فغزاهم بخَيْلِهِ ورَجِلِهِ، فكانوا مِنَ الغاوينَ، ولو شاء الله لرفَعهم بآياته، ولكن العيْب جاء منهم هم إذا أخْلَدُوا إلى الأرض.
وما مِن رَيبٍ في أن الإخلاد إلى الأرض في أبْشَعِ صورةٍ هو الشيوعية (واتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) . وما مِن شكٍّ في أن اتِّباعِ الهوَى في أسْمَجِ صورة هو الفلسفة الوُجودية، سواء كنا بصَدَد الشيوعيّ، أو بصدَد الوجوديّ فمَثَلُهُ كمَثَلِ الكلب إنْ تحمل عليه يلهثْ، أو تتركْه يلهثْ. ولكن لم يلهث سواء أحَمَلْتَ عليه أم ترَكْتَه.
إن الشيوعيَّ ليس همُّه إلا المادة والإخلاد إلى الأرض، ومهما بسَط الله له في الرزق فهو ضيِّق بذلك، وإذا ضيَّق الله عليه في الرزق، فهو ضيِّق بذلك أيضًا، إنه لا يَطمئن إلى شيء رُوحيٍّ يُقنعه، والمادة ـ مهما أُوتِيَ الإنسان منها ـ فإنها ما دام جَشِعًا ـ لا تنتهي إلى إرضائه، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالوُجوديِّ.
فإنه وقد آثَرَ اتِّباعَ الهوَى ـ وليست الوُجودية إلا إيثار اتباع الهوَى ـ فإنه لا يَعتمد على هادٍ يُطمئنه، ولا على اطمئنان يُسكنه، وهو ضيِّق بالحياة ذرْعًا، سواء كان سعيدًا أو شقيًّا، فمَثَلُهُ كمَثَلِ الكلْبِ إنْ تَحْملْ عليه يَلْهَثْ أو تَتْركْه يلهثْ.