قال النووي:"سبب تبسمه - صلى الله عليه وسلم - فرحه بما رأى من اجتماعهم على الصلاة، واتباعهم لإمامهم، وإقامتهم شريعته، واتفاق كلمتهم، واجتماع قلوبهم، ولهذا استنار وجهه - صلى الله عليه وسلم - على عادته إذا رأى أو سمع ما يسره يستنير وجهه" [1] .
فلذا أصرّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على إمامة ابي بكر، رغم محاولة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من صرفه إلى عمر - رضي الله عنه - ثاني رجل في الإسلام بعد أبي بكر - رضي الله عنه -، لحرصها على أبيها من تشاؤم النّاس، قالت:"والله، ما بي إلاّ كراهية أن يتشاءم النّاس، بأول من يقوم في مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" [2] ،إلا أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - غضب، لحرصه على إمامة الصديق - رضي الله عنه -،ومما يؤكد أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - رضي بهذا الفعل أمامة أبي بكر الصديق للناس من بعده، أنه حين خرج للصلاة وأراد أبو بكر الرجوع عن الإمامة أشار إليه ان اثبت، والله أعلم.
وكذا قول عمر - رضي الله عنه - لما طلب منه أبو بكر أن يصلي بالنّاس مكانه حين أرسل له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال:"أنت أحق بذلك" [3] .قال النووي معلقا على هذا الحديث:"فيه فوائد منها فضيلة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وترجيحه على جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتفضيله وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله - رضي الله عنه - من غيره" [4] .
وعلى كل حال فالهدف هنا واضح المعالم، فالعمل المطلوب: (الإمامة -إمامة الصلاة وإمامة الدولة من بعده) .ومن يقوم به؟: (أبو بكر الصديق) ، ومتى؟ (الآن) ،وكذا في المستقبل القريب (بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -) ،ولماذا؟: لأن الأمة لابد لها من إمام يقودها من بعده - صلى الله عليه وسلم -.
ومن الأمثلة الأخرى أيضًا: أرسال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير - رضي الله عنه - إلى (يثرب) ، بعد بيعة العقبة الأولى، وأمره أن يعلمهم القرآن ويبين لهم الإسلام. فهذا الهدف مكتمل الشروط:
العمل واضح: التعريف بالإسلام (سفير النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إليهم) .ومن يقوم به؟ (مصعب بن عمير - رضي الله عنه -) .
ومتى يقوم به؟ (من العقبة الأولى إلى الحج-العقبة الثانية-) .ولماذا؟ لينشر دين الله في النّاس، ويمهد لمقدم المسلمين، وكذا ينقل تصوره إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن حال يثرب.
وهنا نكتة عظيمة تظهر عظمة قيادة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -،وذلك في اختيار مصعب بن عمير (تحديدًا) دون سائر الصحابة - رضي الله عنهم -،والسبب كما يبدو أنّ يثرب تحمل صفات المدينة من الناحية العمرانية، والإقتصادية،
(1) شرح مسلم 4/ 142.
(2) كما في لفظة لمسلم 1/ 313 (418) ،وغيرهم.
(3) قطعة من حديث أخرجه مسلم 1/ 311 (418) .
(4) شرح مسلم 4/ 137،وينظر فتح الباري 2/ 154.