الصفحة 15 من 48

والشام- وجعل بينه وبين العدو خندقًا. والعدو قد أحاط بهم من العالية والسافلة. وكان عدوًا شديد العداوة، لو تمكن من المؤمنين لكانت نكايتهم فيهم أعظم النكايات.

ب- النصارى، والفرس، وبعض المستعربه، يخربون مع التتار.

وفي هذه الحادثة (يعني غزو التتار لدمشق) تحزب هذا العدو من مغل (أي المغول) وغيرهم من أنواع الترك، ومن فرس ومستعربة، ونحوهم من أجناس المرتدة، ومن نصارى الأرمن وغيرهم. ونزل هذا العدو بجانب ديار المسلمين، وهو بين الإقدام والإحجام، مع قلة من بإزائهم من المسلمين. ومقصودهم الاستيلاء على الدار، واصطلام (أي حَرّقَهم والمقصود الايقاع بهم وسلب أموالهم وأولادهم) أهلها. كما نزل أولئك بنواحي المدينة بإزاء المسلمين.

ودام الحصار على المسلمين عام الخندق -على ما قيل- بضعًا وعشرين ليلة. وقيل: عشرين ليلة.

وهذا العدو (يعني التتار) عبر الفرات سابع عشر ربيع الآخر، وكان أول انصرافه راجعًا عن حلب لما رجع مقدمهم الكبير قازان بمن معه: يوم الاثنين حادي أو ثاني عشر جمادى الأولى، يوم دخل العسكر عسكر المسلمين إلى مصر المحروسة. واجتمع بهم الداعي، وخاطبهم في هذه القضية. وكان الله سبحانه الله وتعالى لما ألقى في قلوب المؤمنين ما ألقى من الاهتمام والعزم: ألقى الله في قلوب عدوهم الروع والانصراف.

وكان عام الخندق برد شديد، وريح شديدة منكرة، بها صرف الله الأحزاب عن المدينة، كما قال تعالى: {فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها} .

ح- حكمة الله سبحانه في نزول الثلج والمطر والبرد في هذه السنة:

وهكذا هذا العام أكثر الله فيه الثلج والمطر والبرد، على خلاف أكثر العادات. حتى كره أكثر الناس ذلك. وكنا نقول لهم: لا تكرهوا ذلك؛ فإن لله فيه حكمة ورحمة. وكان ذلك من أعظم الأسباب التي صرف الله بها العدو؛ فإن كثر عليهم الثلج والمطر والبرد؛ حتى هلك من خيلهم ما شاء الله. وهلك أيضًا منهم من شاء الله. وظهر فيهم وفي بقية خيلهم من الضعف والعجز بسبب البرد والجوع ما رأوا أنهم لا طاقة لهم معه بقتال. حتى بلغني عن بعض كبار المقدمين في أرض الشام أنه قال: لا بيض الله وجوهنا: أعدونا في الثلج إلى شعره، ونحن قعود لا نأخذهم؟ وحتى علموا أنهم كانوا صيدًا للمسلمين، لو يصطادونهم؛ لكن في تأخير الله اصطيادهم حكمة عظيمة.

د- تحزب الأحزاب على أهل السنة والجماعة عام 70هـ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت