واللَّه -تعالى- لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد، ويبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه، وأدل وأظهر.
بل بيَّن ما شرعه من الطرق أنَّ مقصوده إقامة الحق والعدل، وقيام الناس بالقسط؛ فأيُّ طريقٍ استخرج بها الحق ومعرفة العدل، وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تُراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد، ولكن نبَّه بما شَرَعَهُ من الطرق على أشباهها وأمثالها، ولن تجد طريقًا من الطرق المُثْبِتَةِ للحقِّ إلاَّ وفي شَرْعِهِ سبيلٌ للدلالةِ عليها، وهل يُظنُّ بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟!
ولا نقول: إنَّ السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها، وباب من أبوابها، وتسميتها سياسة أمرٌ اصطلاحي، وإلاَّ فإذا كانت عَدْلًا فهي من الشرع»، ثم ضرب -رحمه اللَّه- أمثلة لعمل النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالسياسة الشرعية، وخلفائه الراشدين من بعدِهِ؛ فانظرها ( [15] ) ، ولا تُفرِّط بها؛ فهي «السياسات العادلة التي ساسوا بها الأُمَّة، وهي مشتقة من أصول الشريعة وقواعدها» ( [16] ) .
سادسًا: ومع ما سبق؛ فإنَّ السياسة أصبحت تُقَيَّدُ في العصور المتأخرة بلفظة (الشرعية) ! ولهذا أسباب؛ منها:
1-القول بأنَّ السياسة مقتصرة على ما وردت في نصوص الوحي، وهذا تضييق وتحجير!
2-بالنظر إلى ما استجدَّ في حياة الناس من تغيير وتبديل، وما طرأ في حياتهم من حوادث، وما جنت أيديهم من إحداث، فوقعوا في ورطات بمقدار بُعدهم عن هدي النبوة، ولذا قسموا السياسة ( [17] ) إلى أقسام؛ وتنوّعت هذه الأقسام بالنظر إلى مصادرها تارةً، وإلى محالّها والأماكن التي تجري فيها تارةً أُخرى.
فها هو ابن خلدون -مثلًا- يُقسِّم في «مقدمته» (ص 170) السياسة إلى: (عقلية) و (شرعية) ؛ فيقول -بعد كلام-: