فلو أراد رجلٌ أن يتزوَّج امرأةً فلا بأس أن ينظر إليها بنيّة الرغبة في الزواج منها لا أن يكون مراده الشهوة واللذة, وإن خافَ في نظره إليها أن يشتهيها؛ لأن مقصوده إقامة السُنة لا قضاء الشهوة، وإنّما يعتبر المقصود لا ما يكون تبعًا (1) ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - للمغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - حين خطب امرأة: (أنظرت إليها؟ قال: لا. فقال - صلى الله عليه وسلم: أنظر إليها، فإنّه أحرى أن يؤدم بينكما) (2) .
ولما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - (كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه رجل فأخبره أنه تزوَّج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أنظرت إليها؟ قال: لا. قال: فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئًا) (3) .
وهذا الحكم منجرٌ على المرأة أيضًا؛ للاشتراك في العلّة، بل هي أحق وأولى بالنظر منه؛ لأنه يمكنه مفارقتها إن لم يرض بها، وهي لا يمكنها ذلك (4) .
ولا بأس أن يكون نظره إلى وجهها وكفيها مكشوفين، وإلى باقي جسدها مكسوًا بالثياب الساترة الفضفاضة؛ قال السَّرَخسيُّ (5) : (( وإن كان عليها ثيابٌ فلا بأس بتأمّل جسدها؛ لأن نظرَه إلى ثيابها لا إلى جسدها، … وهذا إذا لم تكن ثيابها بحيث تلصق في جسدها وتصفها حتى يستبين جسدها، فإنّ كان كذلك فينبغي له أن يغضَ بصره عنها ) ).
وهذا الكلام صريح في فساد بعض أهل زماننا ممَّن يخرجون فتياتهم لمن يتقدم إليهنَّ متزيِّنات.
(1) ينظر: المبسوط 10: 155، والتبيين 6: 18، وفتح باب العناية 3: 15، والدر المختار ورد المحتار 5: 237، وغيرها.
(2) في سنن النسائي 3: 272، والمجتبى 6: 69، والمنتقى 1: 170، ومسند أحمد 4: 246 وغيرها.
(3) في صحيح مسلم 2: 1040 وسنن البيهقي الكبير 7: 84، وغيرهما.
(4) ينظر: رد المحتار 5: 237، وشرح الأحكام الشرعية 1: 8.
(5) في المبسوط 10: 155.