و القصة الصحيحة في ذكر هجرته رضي الله عنه ما رواه ابن إسحاق قال حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبدا لله عن أبيه عمر رضي الله عنهما قال: ( اتعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا و عياش بن أبي ربيعة و هشام بن العاصي بن وائل السهمي التناضب - موضع فوق سرف على مرحلة من مكة - من أضاة بني غفار - أرض تمسك الماء فيتكون فيها الطين - فوق سَرِف ، و قلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه ، فأصبحت أنا و عياش عند التناضب ، و حبس عنا هشام ، و فتن فافتتن .. .. وعندما نزلت الآية { قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا .. الآية } كتبها عمر و أرسل بها إلى هشام بن العاصي بمكة ، فوجد صعوبة في فهمها ، فدعا الله أن يفهمه إياها ، فألقى الله في قلبه أنها نزلت في أمثاله ، فلحث برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ) . انظر: ابن هشام (2/129-131) بإسناد حسن ، و صححه ابن حجر في الإصابة (3/602) ، و قد أشار إلى صحتها الهيثمي في المجمع (6/61 ) .
قلت: و دلالة القصة واضحة في أن هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت سرية ، فليس فيها أي إشارة إلى إعلان الهجرة ، بل إن تواعدهم في التناضب من أضاة بني غفار - وهي على عشرة أميال من مكة - ليؤكد إسرارهم بهجرتهم .
و فوق هذا فقد جاء الأمر صريحًا في رواية ذكرها ابن سعد في طبقاته (3/271) حول هجرة عمر بن الخطاب سرًا ، حيث ساق نحوًا من رواية ابن إسحاق - السابقة - وزاد فيها قول عمر: ( و كنا نخرج سرًا فقلنا .. ) .
وقلت أيضًا: والتأكيد على صحة الرواية الثانية أولى من التكلف في استخراج الدروس والعبر في قضية قد لا تكون ثابتة أصلًا - كهذه التي بين أيدينا - ، وانظر إلى تكلف السباعي رحمه الله والبوطي مثلًا في استخراج العبر منها . السيرة النبوية دروس وعبر (ص 80 ) و فقه السيرة للبوطي ( ص 135-136 ) .