الصفحة 23 من 212

إلى ما يريده منهم.. غير واقف عند حد أو مردود إلى شريعة. لا يستحى بعض الأحداث من أن يقول: إن محمد على جعل من جدران سلطانه بناء من الدين.. أى دين كان دعامة للسلطان محمد على؟ دين التحصيل؟ دين الكرباج..؟ دين من لا دين له إلا ما يهواه ويريده..؟ وإلا فليقل لنا أحد من الناس.. أى عمل من أعماله ظهرت فيه رائحة للدين الإسلامى الجليل؟ ص _024

لا أظن أن أحدا يرتاب- بعد عرض تاريخ محمد على- على بصيرته أن هذا الرجل كان تاجرا زارعا، وجنديا باسلا، ومستبدا ماهرا، ولكنه كان لمصر قاهرا.. ولحياتها الحقيقية معدما.. وكل ما نراه الآن فيها مما يسمى حياة فهو من أثر غيره، متعنا الله بخيره، وحمانا من شره، والسلام. * * * شرق جديد: توزعت أطماع الاستعمار أكثر أمم الشرق، وسقطت شعوبه فريسة سهلة أو غنيمة باردة في مخالب الغرب الحديث، وتفتحت أعيننا- نحن أبناء الجيل الحاضر- فإذا بميزان العالم يميل عن مستواه العادل، وإذا بكفتنا تطيش في نواح شتى، وإذا بالمغانم تتجه إليهم سيلا دافقا، والمغارم تتجه إلينا موجًا خانقا، حتى وهم جمهور كبير من أبنائنا أننا خلقنا لنكون في المنزلة الثانية أبدا وأن منزلة الشرق من الغرب هى منزلة التابع من المتبوع. وهذا خطأ واضح يهدمه التاريخ من أساسه. والذين وقعوا فيه معذورون لأن عمر الإنسان قصير إلى جانب عمر الدنيا، وما يشهده من حوادثها ليس إلا فصلا ضئيلا من رواية طويلة الفصول، ضاربة في أغوار الماضى البعيد، وقد شهد النظارة في هذا العصر فصلا أخذ الغرب فيه بخناق الشرق، وجثم على صدره وارتفعت الستارة أمامهم عن هذا المشهد المثير، وتكررت صوره لأعينهم المذهولة بروعة المفاجأة، فحسبوا أن الرواية كلها هذا الفصل الواحد، وأن التاريخ كله هذه الحقبة الميتة، وأن الشرق كله هذا المشهد المخزى ، وأن الغرب كله هذا الخصم المتوثب العنيف. ولو أعدنا عرض الشريط التاريخى لبضعة قرون خلت لوجدنا وراء سواحل"المانش"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت