""""""صفحة رقم 79""""""
مستحقيه باختياره ؛ ولا غالب لأمر الله ، ولا مبدل لحكم الله ، ولذلك قال الله تعالى: ' قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قديرٌ ' . ولله في خلقه أسرار ، تتصرف بها دوائر الليل والنهار ، وتذللها مجاري الأقدار ، حتى ينتهى بمحبوبها ومكروهها إلى القرار . عز إلهًا معبودًا ، وجل ربًا محمودًا مقصودًا . وبعد ، فالذي لاشك فيه من وصف العرب ، ولا جاحد له من حالها ، أنه ليس على وجه الأرض جيلٌ من الناس ينزلون القفر ، وينتجعون السحاب والقطر ؛ ويعالجون الإبل والخيل والغنم وغيرها ، ويستبدون في مصالحهم بكل ما عز وهان ، وبكل ما قل وكثر ، وبكل ما سهل وعسر ؛ ويرجون الخير من السماء في صوبها ، ومن الأرض في نباتها ؛ مع مراعاة الأوان بعد الأوان ، وثقةً بالحال بعد الحال وتبصرةً فيما يفعل ويجتنب ؛ ما للعرب فيما قدمنا وصفه ، وكررنا شرحه من علمهم بالخصب والجدب ، واللين والقسوة ، والحر والبرد ، والرياح المختلفة والسحائب الكاذبة ، والمخايل الصادقة ، والأنواء المحمودة والمذمومة ، والأسباب الغريبة العجيبة . وهذا لأنهم مع توحشهم مستأنسون ، وفي بواديهم حاضرون ، فقد اجتمع لهم من عادات الحاضرة أحسن العادات ، ومن أخلاق البادية أطهر الأخلاق . وهذا المعنى على هذا النظم قد عدمه أصحاب المدن وأرباب الحضر ، لأن الدناءة والرقة والكيس والهين والخلابة والخداع والحيلة والمكر والخب تغلب على هؤلاء وتملكهم ، لأن مدار أمرهم على المعاملات السيئة ، والكذب في الحس ، والخلف في الوعد . والعرب قد قدسها الله عن هذا الباب بأسره ، وجبلها على أشرف الأخلاق بقدرته ؛ ولهذا تجد أحدهم وهو في بتٍ حافيًا حاسرًا يذكر الكرم ، ويفتخر بالمحمدة ،