التمكِينَ للعَدُوِّ والتنازُلِ عَن البِلادِ!؛ فَإنَّ رَجُلًا لَو صَنعَ ذلكَ بِمِلْكِهِ الخاصِّ لكانَ الواجِبُ الحَجْرَ عَلَيهِ ومنعَهُ مِنهُ؛ فَكِيفَ وهُو يَصْنَعُهُ بمَصالِحِ المُسْلمينَ؟!؛ فإنْ أَبَوْ إلا الإصرارَ علَى تَعْطِيلِها معَ ما يُفْضِي إلَيهِ ذلكَ من اصْطلامِ الإسلامِ فِي بِلادِ المُسلمينَ؛ وَضياعِ الديارِ بلْدَةً علَى إثْرِ بَلْدَةٍ وجَبَ علَى أهلِ الحلِّ والعقْدِ عَزْلُهُمْ وتَنْصِيبُ من تَتَحَقَّقُ بِهِ المُصْلَحَةُ العامَّةُ لأهْلِ الإسلامِ من الذّبّ عن بِلادِ المُسلمينَ وطَرْدِ المُعْتَدِينَ؛ ورَفعِ رايَةِ الإسلامِ والدينِ.
وهذا الذِي ذكَرْناهُ حُكْمٌ عامٌّ يَسْمَلُ جَمِيعَ بِلادِ الإسلامِ، فَإنْ كانَتِ البِلادُ مِمّا اخْتَصّها اللهُ تَعالَى بِمَزِيدِ تَشْرِيفٍ وتَعْظِيمٍ كَبَيْتِ المَقْدِسِ زادَهُ اللهُ شَرَفًا والأَرْضِ المُبارَكَةِ حَولَهُ كانَ التَحْرِيمُ أشَدَّ والإثْمُ أعْظَمَ، وفَوقَ هَذا فالقُدْسُ والمسْجِدُ الأقْصَى وَقْفٌ لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ، ومَن صَنعَ ذلكَ كانُ مُعِينًا لليَهُودِ علَى هَدْمِ الأقْصى؛ وبِناءِ هَيكِلِهِم علَى أنْقاضِهِ، فَيْعْظُمُ الإثْمُ مِن هذهِ الجِهَةِ أيْضًا، وما التنازُلُ عَنه أو عن شيءٍ مِنْهُ إلا كالتّنازُلِ عَنْ المسْجِدِ الحَرامِ والمَسجِدِ النبَوِيِّ؛ زادَهما اللهُ تعالَى شرَفًا؛ وَوَفَّقَ المُسْلمينَ إلَى اسْتِنقاذِ الأقْصَى المبارَكِ من أيْدِي الكَفَرَةِ المُعْتَدِينَ.
قالَ مُقَيّدُهُ عفا اللهُ عَنه: فِي سَنَةِ (1935) صَدَرَتْ فَتوى عَن جَماعَةٍ كَبيرَةٍ من العُلماءِ فِي فِلَسطِينَ أَيَّدُوا بِها ما صَدَرَ مِن الفَتاوِي عن علماءِ العراقِ وسورِيّا ومصرَ والمغْرِبِ والهنْدِ وغَيرِها من الأمصارِ الإسلامِيّةِ فَوَقعَ الإجْماعُ فِيها من جَمِيعِ مَن ذُكِرَ علَى تحرِيمِ بَيعِ أرْضِ فِلسطينَ لليهودِ؛ وتحْرِيمِ الإعانَةِ علَى البَيعِ بأيّةِ صورَةٍ من الصورِ؛ وأن من صَنَعَ من ذلكَ شَيئًا يَنبغِي أن لا يُصَلَّى عَلَيه وأن لاَ يُدْفَنَ فِي مَقابِرِ المُسلمينَ، وأنّ الواجِبَ نَبْذُهُ والبَراءَةُ مِنهُ، وهِي فَتْوَى صَحِيحَةٌ ونَراها حَقًّا لا مَخْرَجَ لِمُسْلِمٍ عَنهُ.
وما ذُكِرَ هُنا فِي السؤالِ من قُبُولِ التعْوِيضاتِ مُقابِلَ التنازُلِ عن الأرْضِ لليَهُودِ فَهُوَ فِي مَعْنَى البَيعِ المَذكُورِ ولا فَرْقَ، إلاّ أن تَكُونَ المُطالَبَةُ بالتّعْويضاتِ مَعَ الاستِمْساكِ ببِلادِ الإسلامِ واستِنْقاذِها من العَدُوِّ، وسَبيلُ ذلكَ الجِهادُ فِي سَبيلِ اللهِ.
ويَسْتَوي فِي ذلكَ المُحْكَومُونَ والحُكامُ؛ فَمَن تَنازَلَ مِن الحُكامِ والأمَراءِ عن شَيءٍ مِنْ أرْضِ فِلَسْطِينَ لليَهُودِ وأوْلِيائِهِم من النصارَى - كائِنَةً دَعْواهُ ما كانَتْ - كانَ حُكْمُهُ ما ورَدَ فِي الفتوى سواءٌ بِسواءٍ.
واللهُ أعْلَمُ؛ وصلّى اللهُ علَى مُحَمَّدٍ وعلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسلَّمَ.
كان الله له
خادم العلم وأهله
أبو الوليد الغزي الأنصاري