فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 579

لا تماثل، فبعضهما يكمل حياة الآخر، وبهما تتكامل الحياة قال تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} [النساء: 32] ، وتكامل البشرية يحصل أيضًا بالتربية العظيمة التي يتلقاها البشر على يد أنبيائهم، فكل نبي يبعث إلى قومه ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويكمل مشوار النبي الذي قبله، حتى بعث الله فيهم نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - الذي أكمل الله به الرسالات، وكمل به الملة، ونسخ به الشرائع قبله، يقول - صلى الله عليه وسلم: (مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بنيانًا فأحسنه وأجمله، فجعل الناس يطيفون به يقولون: ما رأينا بنيانًا أحسن من هذا إلا هذه اللبنة، فكنت أنا تلك اللبنة) [1] .

وجاء الإسلام ليؤكد حقيقة عظيمة وهي أن البشر يكمل بعضهم بعضًا، ويستفيد بعضهم من بعض؛ ولذا جاءت النصوص الشرعية الحاثة على التعاون على البر والتقوى وترك التعاون على الإثم والعدوان، كما قال سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] ، (( فالاجتماع الإنساني ضروري، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع، وبيانه أن الله سبحانه خلق الإنسان وركبه على صورة لا يصح حياتها وبقاؤها إلا بالغذاء، وهداه إلى التماسه بفطرته وبما ركب فيه من القدرة على تحصيله، إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة على تحصيل حاجته من ذلك الغذاء، غير موفية له بمادة حياته منه، ولو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه، وهو قوت يوم واحد من الحنطة مثلًا، فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ، وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري، وهب أنه يأكل حبًا من غير علاج، فهو أيضًا يحتاج في تحصيله حبًا إلى أعمال أخرى أكثر من هذه الزراعة والحصاد والدراس الذي يخرج الحب من غلاف السنبل، ويحتاج كل واحد من هذه إلى آلات متعددة وصنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير، ويستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد، فلا بد له من اجتماع القُدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم، فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف، وكذلك يحتاج كل منهم أيضًا في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه ) ) [2] .

فلا يمكن للإنسان أن يعيش معزولًا عن الحياة، ولا يمكن لأمة أن تغلق

(1) رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - وتسليم الحجر عليه قبل النبوة (2287) ، وسبق حديث بلفظ مقارب في الحديث عن حرية الاعتقاد، ص 107.

(2) مقدمة ابن خلدون (41 - 43) مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت