الصفحة 59 من 122

أنّ الناس قسمان ، منهم من يسلك طريق عبادة الله ، ومنهم من يؤثر جانب الغفلة ، قال سبحانه: { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } [الإنسان3] .

ومما أوضحته القصة: سوءُ عاقبة الغضب .. فإن المجتهد لم يقل ما قاله إلا بالغضب ، ولذا حذر منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحذيرًا مؤكَّدًا ، فلقد جاء إليه رجل فقال: َ أَوْصِنِي . قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» . فَرَدَّدَ مِرَارًا ، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» ، لم يزد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قوله: لا تغضب . ولم يغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - لنفسه ، إلا إذا انتهكت حرمات لله غضب لله ، وكان من دعائه: « اللهم إني أسألك كَلِمَة الحقِّ في الغضب والرِّضا» . قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم معلقًا على هذه الدعوة:"وهذا عزيز جدًا ، وهو أنَّ الإنسان لا يقول سوى الحقِّ سواءٌ غَضِبَ أو رضي ، فإنَّ أكثرَ الناس إذا غَضِبَ لا يَتوقَّفُ فيما يقول". وهذه القصة مما تؤكد قوله ولذا جاء بها بعد كلامه هذا .

وتشبه هذه القصة ما حدث به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صحيح الإمام مسلم: « أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ . وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» .

وفي القصة أنّ الله غفر للمقصر بدون توبة ، قال الإمام النووي رحمه الله:"وَفِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ أَهْل السُّنَّة فِي غُفْرَان الذُّنُوب بِلَا تَوْبَة إِذَا شَاءَ اللَّه غُفْرَانهَا". فعقيدتنا: أنّ كل ذنب سوى الشرك فهو تحت المشيئة ، إن شاء الله عفا عنه ، وإن شاء أخذ به ، أما الشرك فقد سبقت فيه كلمة الله: { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت