ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وستمائة فيها كانت وفاة الأشرف موسى بن العادل باني دار الحديث الأشرفية وجامع التوبة وجامع جراح.وقد كان رحمه الله تعالى شهمًا شجاعًا كريمًا جوادًا لأهل العلم، لا سيما أهل الحديث..وكان من أعف الناس وأحسنهم سيرة وسريرة، لا يعرف غير نسائه وسراريه، مع أنه قد كان يعاني الشراب، وهذا من أعجب الأمور. حكى السبط عنه قال: كنت يوما بهذه المنظرة من خلاط إذ دخل الخادم فقال: بالباب امرأة تستأذن، فدخلت فإذا صورة لم أر أحسن منها، وإذا هي ابنة الملك الذي كان بخلاط قبلي، فذكرت أن الحاجب علي قد استحوذ علي قرية لها، وأنها قد احتاجت إلى بيوت الكرى، وأنها إنما تتقوت من عمل النقوش للنساء، فأمرت برد ضيعتها إليها وأمرت لها بدار تسكنها ، وقد كنت قمت لها حين دخلت وأجلستها بين يدي وأمرتها بستر وجهها حين أسفرت عنه، ومعها عجوز، فحين قضت شغلها ، قلت لها انهضي على اسم الله تعالى، فقالت العجوز: يا خوند إنما جاءت لتحظى بخدمتك هذه الليلة، فقلت: معاذ الله لا يكون هذا، واستحضرت في ذهني ابنتي ربما يصيبها نظير ما أصاب هذه، فقامت وهي تقول بالآرمني: سترك الله مثل ما سترتني، وقلت لها: مهما كان من حاجة فانهيها إلي أقضها لك، فدعت لي وانصرفت، فقالت لي نفسي: في الحلال مندوحة عن الحرام، فتزوجها، فقلت: لا والله لا كان هذا أبدا، أين الحياء والكرم والمروءة ؟
ولما ملك دمشق في سنة ست وعشرين وستمائة نادى مناديه فيها أن لا يشتغل أحد من الفقهاء بشئ من العلوم سوى التفسير والحديث والفقه، ومن اشتغل بالمنطق وعلوم الأوائل نفي من البلد.وكان البلد به في غاية الأمن والعدل، وكثرة الصدقات والخيرات.
البداية والنهاية - (ج 13 / ص 33)