فهرس الكتاب

الصفحة 673 من 797

تأويله، ولا وقفوا على أحكامه، ولا تفقهوا في حلاله وحرامه، قد اطرحوا علم السنن والآثار وزهدوا فيهما، وأضربوا عنهما فلم يعرفوا الإجماع من الاختلاف، ولا فرقوا بين التنازع والائتلاف، بل عولوا على حفظ ما دون لهم من الرأي والاستحسان الذي كان عند العلماء آخر العلم والبيان، وكان الأئمة يبكون على ما سلف وسبق لهم فيه، ويودون أن حظهم السلامة منه.

ومن حجة هذه الطائفة فيما عولوا عليه من ذلك أنهم يقصرون وينزلون عن مراتب من له القول في الدين لجهلهم بأصوله، وأنهم مع الحاجة إليهم لا يستغنون عن أجوبة الناس في مسائلهم وأحكامهم، فلذلك اعتمدوا على ما قد كفاهم الجواب فيه غيرهم وهم مع ذلك لا ينفكون من ورود النوازل عليهم فيما لم يتقدمهم فيه إلى الجواب غيرهم، فهم يقيسون على ما حفظوا من تلك المسائل، ويفرضون الأحكام فيها، ويستدلون منها ويتركون طريق الاستدلال من حيث استدل الأئمة وعلماء الأمة، فجعلوا ما يحتاج أن يستدل عليه دليلا على غيره، ولو علموا أصول الدين وطرق الأحكام وحفظوا السنن كان ذلك قوة لهم على ما ينزل بهم، ولكنهم جهلوا ذلك فعادوه وعادوا صاحبه، فهم يفرطون في انتقاص الطائفة الأولى وتجهيلها وعيبها، وتلك تعيب هذه بضروب من العيب، وكلهم يتجاوز الحد في الذم، وعند كل واحد من الطائفتين خير كثير وعلم كبير، أما أولئك فكالخزان الصيدلانيين، وهؤلاء في جهل معاني ما حملوه مثلهم إلا أنهم كالمعالجين بأيديهم لعلل لا يقفون على حقيقة الداء المولد لها، ولا على حقيقة طبيعة الدواء المعالج به، فأولئك أقرب إلى السلامة في العاجل والآجل، وهؤلاء أكثر فائدة في العاجل وأكبر غرورا في الآجل، وإلى الله نفزع في التوفيق لما يقرب من رضاه ويوجب السلامة من سخطه، فإنما يُنال ذلك برحمته وفضله.

واعلم يا أخي أن المفرد في حفظ المولدات لا يؤمن عليه الجهل بكثير من السنن إذا لم يكن تقدم علمه بها وإن المفرد في حفظ طرق الآثار دون الوقوف على معانيها وما قال الفقهاء فيها لصفرٌ من العلم وكلاهما قانع بالشم من المطعم، ومن الله التوفيق والحرمان وهو حسبي وبه أعتصم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت