قال الشيخ أبو طالب رضي الله عنه الإخلاص عند المخلصين إخراج الخلق من معاملة الحق وأول الخلق النفس والإخلاص عند المحبين أن لا يعملوا عملًا لأجل النفس وإلا دخل عليها مطالعة العوض أو الميل إلى حظ النفس والإخلاص عند الموحدين خروج الخلق من النظر إليهم في الأفعال وعدم السكون والإستراحة إليهم في الأحوال وقال بعض المشايخ صحح عملك بالإخلاص وصحح إخلاصك بالتبري من الحول والقوة اه كلامه وقال بعض العارفين لا يتحقق الإخلاص حتى يسقط من عين الناس ويسقط الناس من عينه ولذلك قال آخر كلما سقطت من عين الخلق عظمت في عين الحق وكلما عظمت في عين الخلق سقطت من عين الحق يعني مع ملاحظتهم ومراقبتم وسمعت شيخنًا يقول ما دام العبد يراقب الناس ويهابهم لا يتحقق إخلاصه أبدًا وقال أيضًا لا تجتمع مراقبة الحق مع مراقبة الخلق أبدًا إذ محال أن تشهده وتشهد معه سواه اه والحاصل لا يمكن الخروج من النفس والتخلص من دقائق الرياء من غير شيخ أبدًا والله تعالى أعلم ولما كان الخمول من مضامن الإخلاص بل لا يتحقق في الغالب إلا به إذ لاحظ فيه للنفس ذكره بعده فقال أدفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه الدفن هو التغطية والستر والخمول سقوط المنزلة عند الناس ونتائج الشجرة ثمرتها أستعير هنا للحكم والمواهب والعلوم التي يجتنيها العبد من المعرفة بالله وذلك عند موت نفسه وحياة روحه قلت استر نفسك أيها المريد وأدفنها في أرض الخمول حتى تستأنس به وتستحليه ويكون عندها أحلى من العسل ويصير الظهور عندها أمر من الحنظل فإذا دفنتها في أرض الخمول وأمتدت عروقها فيه فحينئذ تجني ثمرتها ويتم لك نتاجها وهو سر الإخلاص والتحقق بمقام خواص الخواص وأما إذا لم تدفنها في أرض الخمول وتركتها على ظهر الشهرة تجول ماتت شجرتها أو أسقطت ثمرتها فإذا جني العارفون ما غرسوه من جنات معارفهم من العلوم وما دفنوه من كنوز الحكم ومخازن الفهوم بقيت أنت فقيرًا سائلًا أو سارقًا صائلًا قال سيدنا عيسى عليه السلام لأصحابه أين تنبت الحبة قالوا في الأرض قال كذلك الحكمة لا تنبت إلا في قلب كالأرض اه وقال بعض العارفين كلما دفنت نفسك أرضًا أرضًا سمًا قلبك سماء سماء وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رب أشعث أغبر ذي طمرين تنبوا عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبره في قسمه وكان عليه الصلاة والسلام جالسًا مع الأقرع بن حابس كبير بني تميم فمر عليه رجل من فقراء المسلمين فقال عليه السلام للأقرع بن حابس ما تقول في هذا فقال هذا يا رسول الله من فقراء المسلمين حقيق أن خطب أن لا يزوج وإن استأذن أن لا يؤذن له وإن قال أن لا يسمع له ثم مر بهما رجل من المترفين فقال له عليه السلام وما تقول في هذا فقال هذا حقيق أن خطب أن يزوج وإن استأذن أن يؤذن له وأن قال أن يسمع له فقال له صلى الله عليه وسلم هذا يعني الفقير خير من مل الأرض من هذا وفي مدح الخمول أحاديث كثيرة وفضائل مشهورة ولو لم يكن فيه إلا الراحة وفراغ القلب لكان كافيًا وأنشد بعضهم وهو الحضرمي
عش خامل الذكر بين الناس وأرض به ... فذاك أسلم للدنيا وللدين
من عاشر الناس لم تسلم ديانته ... ولم يزل بين تحريك وتسكين