وإذا أراد الله خذلان عبده أشغله في الظاهر بخدمة الأكوان وفي الباطن بمحبتها فلا يزال كذلك حتى ينطمس نور بصيرته فيستولى نور بصره على نور بصيرته فلا يرى إلا الحس ولا يخدم إلا الحس فيجتهد في طلب ما هو مضمون من الرزق المقسوم ويقصر فيما هو مطلوب منه من الفرض المحتوم ولو كان بدل الإجتهاد استغراقًا وبدل التقصير تركًا لكن بدل الطمس عمي وهو الكفر والعياذ بالله لأن الدنيا كنهر طالوت لا ينجو منها إلا من لم يشرب أو اغترف غرفة بيده لا من شرب على قدر عطشه فافهم قاله الشيخ زروق رضي الله عنه وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه البصيرة كالبصر أدني شيء يقع فيه يمنع النظر وإن لم ينته إلى العمى فالخطرة من الشيء تشوش النظر وتكدر الفكر والأرادة له تذهب بالخير رأسًا والعمل به يذهب عن صاحبه سهمًا من الأسلام فيما هو فيه ويأتي بضده فإذا أستمر على الشر تفلت منه الإسلام فإذا أنتهى إلى الوقيعة في الأمة وموالاة الظلمة حبًا في الجاه والمنزلة وحبًا للدنيا على الآخرة فقد تفلت منه الإسلام كله ولا يغرنك ما توسم به ظاهرًا فإنه لا روح له إذ الإسلام حب الله وحب الصالحين من عباده انتهى ولما كان الإجتهاد في المضون كله مذموم كان بالفعل كما تقدم أو بالقول وهو الإستعجال في تحصيله قبل إبانه بالدعاء أو بغيره أشار إلى ذلك بقوله لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبًا ليأسك فهو ضمن لك الإجابة فيما يختار لك لا فيما تختار لنفسك وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد قلت الإلحاح في الشيء هو تكرره من وجه واحد والدعاء طلب مصحوب بأدب في بساط العبودية لجناب الربوبية والموجب للشيء ما كان أصلًا في وجوده واليأس قطع المطامع أعلم أن من أسمائه تعالى القيوم وهو مبالغة في القيام فقد قام تعالى بأمر خلقه من عرشه إلى فرشه وعين لكل مظهر وقتًا محدودًا وأجلًا معلومًا ولكل واحد شكلًا معلومًا ورزقًا مقسومًا فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون فإذا تعلق قلبك بحاجة من حوائج الدنيا والآخرة فأرجع إلى وعد الله واقنع بعلم الله ولا تحرص ففي الحرص تعب ومذلة قال شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه الناس تقضي حوائجهم بالحرص فيها والجري عليها ونحن تقضي حوائجنا بالزهد فيها والإشتغال بالله عنها اه وإن كان ولا بد من الدعاء فليكن دعاؤك عبودية لا طلبًا للحظ فإن تركت الحظوظ صبت عليك الحظوظ وإن غلب عليك وارد الطلب وطلبت شيئًا ثم تأخر عنك وقت العطاء فيه فلا تتهم الله في وعده حيث قال"أدعوني أستجب لكم"ولا تيأس من نواله ورفده فإن الله قد ضمن لك الإجابة فيما يريد من خير الدنيا وخير الآخرة وقد يمنعك لطفًا بك لكون ذلك المطلب لا يليق بك كما قال الشيخ أبو الحسن اللهم إنا قد عجزنا عن دفع الضر عن أنفسنا من حيث نعلم بما علم فكيف لا نعجز عن ذلك من حيث لا نعلم بما لا نعلم وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى"وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ما موصولة أي ويختار الأمر الذي لهم فيه خيرتهم وقد يكون أجابك وعين لذلك وقتًا هو أصلح لك وأنفع فيعطيك ذلك في الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد وقد يؤخر لك ذلك لدار الكرامة والبقاء وهو خير لك وأبقى وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من داع إلا وهو بين إحدى ثلاث إما أن تعجل له طلبته وإما أن يدخر له ثوابها وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها الحديث وقال الشيخ عبد العزيز المهدوي رضي الله عنه من لم يكن في دعائه تاركًا لإختياره راضيًا بإختيار الحق تعالى له فهو مستدرج ممن قيل له أقضوا حاجته فإني أكره أن أسمع صوته فإن كان مع اختيار الحق تعالى لا مع إختياره لنفسه كان مجابًا وإن لم يعط والأعمال بخواتهما اه ثم حقق لك ما تقدم من إنجاز الوعد ونفوذ الموعود ولكن على الوجه الذي يريد وفي الوقت الذي يريد وأمرك في ذلك بالصدق والتصديق ونهاك عن الشك والترديد ليكمل بذلك فتح بصيرتك وتبهج أنوار سريرتك فقال لا يشككك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه لئلا يكون ذلك قدحًا في بصيرتك وإخمادًا لنور سريريك التشكيك في الشيء هو التردد في الوقوع وعدمه والوعد الأخبار بوقوع الشيء في محله والموعود المخبر به والقدح في الشيء التنقيص له والغض من مرتبته والبصيرة القوة المهيئة لأدرك المعاني"