لأن الصفا من الصفاء والكدر من الكدر صفاء الباطن من صفاء الظاهر وكدر الباطن من كدر الظاهر وكلما زاد في الحس نقص في المعنى وفي بعض الأخبار إذا أخذ العالم شيئًا من الدنيا نقصت درجته عند الله وإن كان كريمًا على الله وأما من إذن له في السبب فهو كالمتجرد إذ صار حينئذ سببه عبودية والحاصل أن التجريد من غير أذن سبب والسبب مع الإذن تجريد وبالله التوفيق تنبيه هذا الكلام كله مع السائرين وأما الواصلون المتمكنون فلا كلامة عليهم إذ هم رضي الله عنهم مأخوذون عن أنفسهم يقبضون من الله ويدفعون بالله قد تولى الحق تعالى أمورهم وحفظ أسرارهم وحرس قلوبهم بجنود الأنوار فلا تؤثر فيها ظلم الأغيار وعليه يحمل حال الصحابة في الأسباب رضي اله عنهم ونفعنا ببركاتهم آمين وأعلم أن المتسبب والمتجرد عاملان لله إذ كل واحد منهما حصل له صدق التوجه إلى الله تعالى حتى قال بعضهم مثل المتجرد والمتسبب كعبدين للملك قال لأحدهما أعمل وكل وقال للآخر إلزم أنت حضرتي وأنا أقوم لك بقسمتي ولكن صدق التوجه في المتجرد أقوي لقلة عوائقه وقطع علائقه كما هو معلوم ولما كانت همة الفقير المتجرد لا تخطيء في الغالب لقوله عليه السلام أن لله رجالًا لو أقسموا على الله لا برهم في قسمهم قال شيخنا ولله رجال إذا إهتموا بالشيء كان بإذن الله وقال أيضًا عليه السلام أتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله خشى الشيخ أن يتوهم أحد أن الهمة تخرق سور القدر وتفعل ما لم يجر به القضاء والقدر فرفع ذلك بقوله سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار قلت السوابق جمع سابقة وهي المتقدمة والهمم جمع همة والهمة قوة انبعاث القلب في طلب الشيء والإهتمام به فإن كان ذلك الأمر رفيعًا كمعرفة الله وطلب رضاه سميت همة عالية وإن أمرًا خسيسًا كطلب الدنيا وحظوظها سميت همة ذنية وسوابق الهمم من إضافة الموصوف إلى الصفة أي الهمم السوابق لا تخرق أسوار الأقدار أي إذا اهتم العارف أو المريد بشيء وقويت همته بذلك فإن الله تعالى يكون ذلك بقدرته في ساعة واحدة حتى يكون أمره بأمر الله وكان شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه يقول المريد الصادق إذا كان فانيًا في الإسم مهما اهتم بالشيء كان وإن كان فانيا في الذات تكون الشيء الذي يحتاجه قبل أن يهتم به أو كلام هذا معناه وهو صحيح وفي بعض الأخبار أيضًا فإذا أحببته كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيدًا إن سألني أعطيته الحديث ومع ذلك لا ينفصل بذلك ولا يتكون إلا ما أحاط به قدر الله وقضاؤه فهمة العارف تتوجه للشيء فإن وجدت القضاء سبق به كان ذلك بإذن الله وإن وجدت سور القدر مضروبًا عليه لا تخرقه بل تتأدب معه وترجع لوصفها وهي العبودية فلا تتأسف ولا تحزن بل ربما تفرح لرجوعها لمحلها وتحققها بوصفها وقد كان شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه يقول نحن إذا قلنا شيئًا فخرج فرحنا مرة واحدة وإذا لم يخرج فرحنا عشر مرات وذلك لتحققه بمعرفة الله قيل لبعضهم بماذا عرفت ربك قال بنقض العزائم وقد يحصل هذا التأثير للهمة القوية وإن كان صاحبها ناقصًا كما يقع للعاين والساحر عن خبثهما أو لخاصية جعلها الله فيها إذا نظرا لشيء بقصد انفعل ذلك بإذن الله وهذا كله أيضًا لا يخرق أسوار الأقدار بل لا يكون إلا ما أراد الواحد القهار قال تعالى"وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله"وقال تعالى"إنا كل شيء خلقناه بقدر"وقال تعالى"وما تشاؤن إلا أن يشاء الله"وقال صلى الله عليه وسلم كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس أي النشاط للفعل وأشعر قوله سوابق أن الهمم الضعيفة لا ينفعل لها شيء وهو كذلك في الخير والشر وفي أستعارته الخرق والأسوار ما يشعر بالقوة في الجانبين لكن الحاصر قاهر فلا عبرة بقوة العبد القاصر وإذا كانت الهمة لا تخرق أسوار الأقدار فما بالك بالتدبير والإختيار الذي أشار إليه بقوله أرح نفسك من التدبير فما قام به غيرك عنك لا تقم به أنت لنفسك قلت التدبير في اللغة هو النظر في الأمور وأواخرها وفي الإصلاح هو كما قال الشيخ زروق رضي الله عنه تقدير شؤون يكون عليها في المستقبل بما يخاف أو يرجى بالحكم لا بالتفويض فإن كان مع تفويض وهو أخروي فنية خير أو طبيعي فشهوة أو ديوي فأمنية اه فأقتضى كلامه أن التدبير على ثلاثة أقسام مذموم وقسم مطلوب وقسم مباح فأما القسم المذموم فهو الذي