الصفحة 1 من 2

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسم على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فلم تزل سيرة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - محلًا لعناية أمة الإسلام جيلًا بعد جيل، وقرنًا بعد آخر، كما أنها لم تزل موردًا عذبًا ومعينًا صافيًا لاستلهام الدروس والعبر في مختلف المجالات: عقيدة وشريعة ومنهجًا وتربيةً وسلوكًا، وكان من عناية العلماء بها ما هو معلوم ومشهود بما لا يشابه هذه السيرة سيرة أحد من الخلق على الإطلاق.

وفي هذا السياق أُقدِّم هذه المقتطفات من بيت النبوة بما يظهر جوانب معينة من سيرة المعصوم - صلى الله عليه وسلم - مما يتصل ببيت النبوة الوارف.

وفي هذه المجموعة التي بين يديك اقتطفت أربع مجموعات من كتابي الكبير"بيت النبوة"ونظمتها في هذه المجموعات الأربع:

1-الطفولة في حياة المعصوم - صلى الله عليه وسلم -.

2-لمحات من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع بناته.

3-لمحات من الحياة البيتية للنبي - صلى الله عليه وسلم -.

4-لمحات من زواج المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بأمهات المؤمنين.

وإني لأسأل الله تعالى أن ينفع بهذه المجموعة، وأن يجعلها في ميزان حسناتي وحسنات والديَّ، وأسأله سبحانه أن يجعلها مُدْنيَةً من مرضاته وسببًا لدخول جناته. آمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

خالد بن عبد الرحمن الشايع

تحريرًا في 20/6/1422هـ

الرياض 11574

ص. ب/ 57242

كيف كان عيش النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته؟

نستهل هذا الموضوع بما رواه البخاري ومسلم [1] عن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت:"كان يأتي على آل محمد الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار، وكان قوتهم التمر والماء".

نعم هكذا عاش نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبرغم أنه - صلى الله عليه وسلم - كان عنده تسع نسوة لكن كل واحدة كان يمضي عليها الشهر والشهران لا يوقد في بيتها نار، وليس ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - تقتيرًا على نفسه وأهله، أو أن الإسلام يعاف الطيبات ويسن للناس تركها، كلا وحاشا، فإن الله تعالى يقول: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [2] . ولكنه الزهد الحقيقي والرغبة فيما عند الله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [3] .

والله تعالى قد آتى نبيه - صلى الله عليه وسلم - مفاتيح خزائن الأرض كلها، فأبى أن يأخذها، واختار الآخرة عليها.

وكان من دعائه - صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا» رواه البخاري [4] ومسلم [5] .

وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - زهد في الدنيا وإعراض عنها ورغبة فيما عند الله تعالى، قال الله جل شأنه: {وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} [6] ، وقال عليه الصلاة والسلام: «مالي وللدنيا، إنما أنا كرجل قال تحت ظل شجرة (يعني نام في ظلها وقت الظهر) ثم راح وتركها» رواه الترمذي [7] وابن ماجه [8] وغيرهما.

ويبلغ زهد نبينا - صلى الله عليه وسلم - في هذه الدنيا مبلغًا يبين حقارتها عنده وأنها في ذاتها ظل زائل. روى البخاري [9] ومسلم [10] عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال:"كنت أمشي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حرة المدينة، فاستقبلنا أُحُد، فقال: يا أباذر، قلت: لبيك يا رسول الله، فقال: «ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبًا، تمضي علي ثالثة وعندي منه دينار ـ إلا شيئًا أرصده لديْن ـ إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه» . ثم مشى فقال: «إن الأكثرين هم الأقلُّون يوم القيامة، إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، وقليل ما هم» ."

وقوله - صلى الله عليه وسلم: «إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة» أي أن أصحاب الأموال الكثيرة هم الأقل حسنات يوم القيامة ولا يستثنى من ذلك إلا من وصفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله من قال بالمال هكذا وهكذا، وهو إشارة إلى إنفاق المال في وجوهه المشروعة وعدم كنزه أو البخل به، ومن قام بهذا الحق فالمال له مستحب وهو له خير.

وفي ظلال هذه المعيشة أظهر نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأحيان رغبتهن في تغييرها والخروج عنها، خاصة وأنهن في بيت أعظم رجل في العرب، وتتابع نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - في تلك المطالبة، وأكثرن عليه، طالبات المزيد من النفقة ومتطلعات لمتاع الدنيا، فكره ذلك منهن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولما زدن في تلك المطالبة وأَلحفنَ في مسألتهن وشَدَّدْتَ هجرهن - صلى الله عليه وسلم -، ولم يدخل على واحدة منهن لمدة شهر من الزمان، حتى شاع بين الناس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلق نساءه كلهن. ففزع أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ لهذه الإشاعة رعاية لخاطر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فابنة كل منهما عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذهبا يستأذنان ليدخلا عليه، وليتعرفا على حقيقة الأمر، فلما دخلا على النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله عمر: أطلقت نساءك يا رسول الله؟ قال: لا، فتنفس عمر الصعداء، لكنه رأى جَوَّ الحزن يخيم على المكان، فقال لأُكلِّمَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعله يضحك، فقال: يا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد ـ يعني زوجته ـ سألتني النفقة آنفًا فوجأت عنقها، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدا ناجذه، وقال: «هن حولي يسألنني النفقة» . فقام أبو بكر إلى عائشة يؤدبها، وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقول: تسألنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ليس عنده؟!

فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - الأبوين أن يصنعا ببنتيهما شيئًا، وكانت نساؤه نادمات يقلن: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده"."

وبعد مضي شهر من هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - لنسائه، نزلت آيات التخيير من عند الله تخاطبهن جميعًا أن يخترن التجرد للدار الآخرة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن يرضين بعيشه، وإما أن يلحقن بأهلهن حيث الملابس الحسنة والمآكل الدسمة وغير ذلك من متاع الدنيا وزينتها، وذلكم قول ربنا: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [11] ، فأثرن الله ورسوله والدار الآخرة، وعشن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - معينات على الحق راغبات في الثواب، عشن معه للجهاد والتهجد، والبذل والمواساة، والتواضع والخدمة، فأقر الله أعينهن بصحبة نبيه في الجنة كما صحبنه في الدنيا.

بوب الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في كتاب الرقاق من"صحيحه"فقال: باب كيف كان عيش النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا؟ ثم ساق طائفة من الأحاديث المبينة لذلك ومنها:

ما روته أم المؤمنين عائشة قال: ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض [12] .

ومنها ما روته عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: كان فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أَدَمٍ وحشوه ليف" [13] ."

وفي ضوء ما تقدم نخلص إلى جملة من الفوائد منها:

بيان ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من الزهد في الدنيا والرغبة عنها، مع أنها كانت بين يديه، ولكنه رغب في الآخرة إيثارًا لها عن الدنيا، قال الله تعالى: {وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} [14] .

ويشار ها هنا إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - مع تلك الحال التي كان عليها من الزهد في الدنيا ما كان ليضيع حاجات أهله وما يلزمهم لمعاشهم، حاشا وكلا، ويوضح هذا أنه - صلى الله عليه وسلم - لما فتح الله عليه البلاد وكثرت الغنائم كان يرصد لأهله قوت سنة.

وفيه من الفوائد: بيان خطأ كثير من الناس في تطلبهم الاستكثار من الأطعمة واللباس والمراكب ونحوها، مما يفيض عن حاجتهم ويؤدي بهم إلى الإسراف؛ بل التبذير في كثير من الحالات.

والذي ينبغي على مثل هؤلاء أن يصرفوا مال الله الذي آتاهم تصريفًا وإنفاقًا سليمًا راشدًا، وأن يعلموا أن من إخوانهم المسلمين في كثير من بقاع الدنيا من لا يجد ما يقيم أَوَدَه ويدفع عنه شبح المجاعة، علاوة على ما بهم من نوازل مختلفة ومحزنة، ولو أن المسلمين اليوم وجد بينهم التكافل على النهج الإسلامي لما صار بينهم جائع يتضور ولا محتاجٌ يتكفَّف.

نسأل الله تعالى أن يسلك بنا سبيل رضاه، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

أم حبيبة تعرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - الزواج بأختها

روى البخاري ومسلم ـ رحمهما الله ـ في"صحيحيهما" [15] من طريق زينب بنت أم سلمة وربيبة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ رضي الله عنها ـ قالت: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت له: هل لك في أختي بنت أبي سفيان؟ فقال: «أفعل ماذا؟» قلت: تنكحها، قال: «أو تحبين ذلك؟» قلت: لست لك بِمُخْلِية، وأحب من شركني في الخير أختي، قال: «فإنها لا تحل لي» قلت: فإني أخبرت أنك تخطب درة بنت أبي سلمة. قال: «بنت أم سلمة؟» قلت: نعم، قال: «لو أنها لم تكن ربيبة في حِجْري، ما حلَّت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن» .

هذا لفظ مسلم ورواه أيضًا: أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد.

في هذا الموقف عدد من المسائل والفوائد، منها:

أولًا: بيان ما كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - من المحبة والإجلال والتقدير في نفوس زوجاته، فقد ملك قلوبهن وتعلقن به كل التعلق وفوق كل أحد، ففضلًا عن كونه رسول رب العالمين، فهو عليه الصلاة والسلام الزوج الحبيب، وهذا ما حمل أم المؤمنين أم حبيبة إلى أن تفكر في أن تَبَرَّ أختها بزوج لا يكدر لها خاطرًا، ولا ينغص ليها عيشًا، ويرفعها في الدنيا والآخرة.

وقد بلغ من حب أم حبيبة وإجلالها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يبينه ما أورده أهل السير من خبر أبي سفيان لما قدم المدينة النبوية في مهمة رسمية قبل إسلامه وذلك في مدة الهدنة بين قريش والمسلمين، وفي غضون... ذلك، زار بنته أم حبيبة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما جاءها، أراد الجلوس على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فما كان منها إلا أن طوته عنه، فقال أبو سفيان: يا بنية، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟، قالت: بل رغبةً بالفراش عنك! فإنه فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنت رجل مشرك نجس، كذا أورد أهل السير ما هذا معناه.

والمصطفى - صلى الله عليه وسلم - خير أسوة لكل زوج في التحبيب إلى الأهل والإحسان إليهم حتى يكون المرء أحب الناس إليهم، وقد بلغ التشدد والانفعال ببعض الناس إلى جعل بيوتهم كالثكنات العسكرية، فإذا دخل لا يود سماع همس، ولا رؤية عبث طفل، ولا بكاء رضيع، ولا نحو هذه الأحداث البيتية المعتادة، فإذا خرج تفتحت الأزهار وغردت العصافير وترقرق الندى.

قال القاضي عياض ـ رحمه الله ـ: وقد وردت الآثار الصحيحة بحسن عشرته - صلى الله عليه وسلم - لأهله ومباسطتهن، وكذلك عن السلف الصالح، وقد كان الإمام مالك يقول في ذلك ـ أي في حسن عشرة الرجل أهله ـ: فيه مرضاة لربك، ومحبة في أهلك، ومثراة في مالك، ومنسأة في أجلك، قال: وكان مالك يقول: يجب على الإنسان أن يتحبب إلى أهل داره حتى يكون أحب الناس إليهم. اهـ. ملخصًا.

وهذه المسألة جديرة بالعناية لما لها من الأهمية.

ثانيًا: أخت أم المؤمنين أم حبيبة المذكورة في الحديث والتي أرادت خطبتها للنبي هي عزة بنت أبي سفيان ما نبه لهذا بعض أهل العلم، وكان لأم حبيبة من الأخوات غير عزة: هند زوج الحارث بن نوفل، وجويرية: زوج السائب بن أبي حبيش، وأميمة: زوج صفوان بن أمية، وأم الحكم: زوج عبيد الله بن عثمان، وصخرة: زوج سعيد بن الأخنس، وميمونة: زوج عروة بن مسعود. فعدتهن مع عزة سبع، ثامنهن أم حبيبة [16] .

ثالثًا: في الموقف ما يدل على مشروعية عرض المرأة على الرجل الصالح من قبل وليها أو من ينصح لها، ومن تبويبات الإمام البخاري على هذا الحديث المذكور قوله: باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير [17] .

وهذه السنة الحسنة لها ما يشهد لها من الكتاب العزيز وعمل سلف الأمة، قال الله تعالى مخبرًا عن عرض العبد الصالح بأرض مدين على موسى ـ عليه السلام ـ الزواج بإحدى بنتيه: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [18] .

قال العلامة الشوكاني ـ رحمه الله ـ:"في هذه الآية مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل، وهذه سنة ثابتة في الإسلام" [19] .

رابعًا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأم حبيبة: «أو تحبين ذلك» جوابًا واستفهامًا لعرضها عليه الزواج بأختها، فيه التعجب من كونها تطلب أن يتزوج غيرها مع ما طُبع عليه النساء من الغيرة [20] .

لكن هذه الغيرة انمحت، وتجاوزتها أم حبيبة بمقايستها المصالح، فإنها لما رأت أنها لن تسلم من ضَرَّة - بل ضَرَّات - ولن تنفرد بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، رأت أن من مصلحة أختها أن تظفر بزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بها. وهذا ما أعربت عنه بقولها:"لست لك بمخلية، وأحب من شركني في الخير أختي".

خامسًا: قول أم حبيبة هذا:"أحب من شركني في الخير أختي"قيل: المراد بالخير هو صحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتضمنة لسعادة الدارين، الساترة لما لعله يعرض من الغيرة التي جرت بها العادة بين الزوجات، لكن جاء في رواية البخاري الأخرى في باب {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ..} [21] من كتاب النكاح [22] قول أم حبيبة: وأحب من شركني فيك أختي، فعرف أن المراد بالخير ذاته.

وكما حرصت أم حبيبة على أن تبرَّ أختها بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد حرص علي بن أبي طالب على برِّ الهاشميات بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. يبين هذا ما رواه مسلم في"صحيحه"أن عليًا قال: يا رسول الله، مالك تنوق (أي تختار) في قريش وتدعنا، فقال: «وعندكم شيء؟» قلت: نعم، بنت حمزة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة» [23] .

سادسًا: قول أم حبيبة:"فإني أخبرت أنك تخطب دُرَّة بنت أبي سلمة"وفي رواية قالت:"فإنا نُحَدَّثُ"، وفي رواية:"بلغني"، وفي رواية قالت:"فوالله إنا لنتحدث"، وفي رواية:"فو الله لقد أُخبرت".

قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - ولم أقف على اسم من أخبر بذلك، ولعله كان من المنافقين، فإنه قد ظهر أن الخبر لا أصل له، وهذا مما يستدل به على ضعف المراسيل. اهـ [24] .

قلت: ولا تزال مثل هذه الإشاعات تُشاع عن كثير من الأزواج، ولا يزال النساء أيضًا يتحرين عن أزواجهن، ما إذا كانوا سيقدمون على خطبة أو زواج، وقد يصير الخبر لبعض أولئك حقيقة، بل تجد بعض النساء أن زوجها قد خطب وتزوج ورزق بالذرية وهي لا تدري، ولعل سعي النساء في ذلك التحري لأجل أن يحبطن إجراءات الخطبة قبل إتمامها، وقد يعذرن بالنظر إلى ما جُبلن عليه من الغيرة واضطرامها. وكان الله في عون الجميع وتوفيقهم للخير.

رابعًا: ولعل سائلًا يقول: كيف عرضت أم حبيبة أختها ليتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أن من المعلوم لدى كل مسلم ومسلمة تحريم الجمع بين الأختين، هل خفي عليها ذلك أم ماذا؟

فيقل: إن هذا العرض من أم حبيبة كان قبل نزول آية التحريم، وهو قوله تعالى في شأن من يحرم الزواج بهن من النساء {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [25] .

وقيل: بل كان بعد نزول الآية، ولكن ظنت أم حبيبة أن من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - أن له الجمع بين الأختين، بناءً على ما بلغها من عزم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الزواج ببنت زوجته دُرَّة بنت أم سلمة، وهي تعلم أن ذلك غير جائز، فكأنها قالت: إن كان للرسول أن يفعل ذلك، فهي خصوصية، لأن تحريم الزواج ببنت الزوجة على التأبيد، وأما تحريم الزواج بأُخت الزوجة فمحصورة في الجمع فقط، وهذا أخف وليكن من الخصائص بطريق الأولى.

فأجابها النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن ذلك لا يحل، وأن الذي بلغها من ذلك ليس بحق، وأنها تحرم عليه من جهتين. هذا معنى ما ذكره الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ [26] .

ثامنًا: في قول المصطفى - صلى الله عليه وسلم: «لو أنها لم تكن ربيبة في حجري ما حلت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة» المعنى: لو افترض عدم كونها بنت زوجة أم سلمة، أو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يتزوج أم سلمة، فإنها من جهة ثانية محرمة بالنظر لكون أبيها أخًا للرسول - صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة، فكان عليه الصلاة والسلام عمها بالرضاعة فكيف يتزوجها؟!.

والربيبة: هي بنت امرأة الرجل من غيره، مشتقة من الرب، وهو الإصلاح، لأنه يقوم بأمرها [27] .

والذي يظهر أن أولاد أبي سلمة كل منهم كان ربيبًا في حجر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عمر، وزينب رواية هذا الخبر عن أم حبيبة، ودُرَّة التي قيل إنها مخطوبة.

وقد جاء النص على تحريم الزواج بالربيبة في قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [28] ، وجمهور الأئمة على أن الربيبة حرام، سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره، قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له [29] .

تاسعًا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة» .

نبه أهل العلم ونصوا على مراضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأول ما استرضع عليه الصلاة والسلام لدى ثويبة المذكورة هنا، ثم أرضعته وحضنته حليمة السعدية نحوًا من أربع سنين، ويالسعادتها.

أما ثويبة [30] فقد أرضعته أيامًا.

وثويبة هذه مولاة أبي لهب، وقد أرضعت النبي - صلى الله عليه وسلم - بلبن ابن لها يقال له مسروح، وأرضعت أيضًا حمزة بن عبد المطلب عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحمزة عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخوه من الرضاعة، ولأجل ذلك لما قال علي ـ رضي الله عنه ـ يا رسول الله مالك تنوق (يعني تتخير) في قريش ودعنا (يعني يدع الزواج من الهاشميات) فقال عليه الصلاة والسلام: «وعندكم شيء؟» قال علي: نعم، ابنة حمزة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة» .

وقد جاءت بعض الآثار التي تبين إرسال النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلات والكسوة من المدينة إلى ثويبة وهي بمكة، برًا منه وإحسانًا، حتى جاءه خبر وفاتها سنة سبع من الهجرة، ومات ابنها مسروح قبلها.

ولنختم هذه السطور بترجمة لأمنا الكريمة أم حبيبة التي روت لنا الحديث الذي كان موضوع بحثنا السابق.

فأم حبيبة ـ رضي الله عنها ـ اسمها: رملة، وقيل: هند، لكن الصحيح المشهور [31] رملة، بنت أبي سفيان صخر بن حرب القرشية الأموية، أسلمت إبان مكث النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة بعد ابتعاث الله له، وقد هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، الذي كان مسلمًا، ثم تَنَصَّر هناك ومات عنها.

ولما ضاق بها الأمر واشتدت عليها الحال جاءها البشير بخطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - لها، موكلًا عمرو بن أمية الضمري، وقدم صداقها ودفعه لها النجاشي من عنده بِرًًّا ومحبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان قدره أربعمائة دينار، مع أشياء من الهدايا وطيب الحبشة وعودها ونحو ذلك [32] .

فكانت بذلك أكثر نساء النبي صداقًا.

وولي نكاحها عثمان بن عفان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص.

ولما بلغ الخبر أبا سفيان بمكة امتدح النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه كفء كريم لا يُرد، قال ذلك وهو على كفره، وأصدق الثناء ما قاله الأعداء.

(1) "صحيح البخاري" (6458) ."صحيح مسلم" (2972) .

(2) سورة الأعراف، الآية: 32.

(3) سورة الضحى، الآية: 5.

(4) في"صحيحه" (رقم 6460) .

(5) في"صحيحه" (رقم 1055) .

(6) سورة الضحى، الآية: 4.

(7) في"جامعه" (رقم 2377) وقال: حسن صحيح.

(8) في"سننه" (رقم 4109) وصححه الألباني في"صحيح الجامع" (رقم 5668) .

(9) في"صحيحه" (رقم 6444) .

(10) في"صحيحه" (رقم 94) بلفظ آخر.

(11) سورة الأحزاب، الآيتان: 28، 29.

(12) أخرجه البخاري (رقم 6687) ، ومسلم (رقم 2970) .

(13) أخرجه البخاري (رقم 6456) ، ومسلم (رقم 2082) .

(14) سورة الضحى، الآية: 4.

(15) "صحيح البخاري" (5106) ،"صحيح مسلم" (1449) ، وأبو داود في"السنن" (2056) ، والنسائي في"المجتبى" (6/94، 95) ،"سنن ابن ماجه" (1939) ،"المسند" (6/291) .

(16) ينظر:"فتح الباري" (9/142، 144) .

(17) ينظر"صحيح البخاري ـ مع الفتح" (9/175) .

(18) سورة القصص، الآية: 27.

(19) "فتح القدير" (4/169) .

(20) ينظر:"فتح الباري" (9/143) .

(21) سورة النساء، الآية: 23.

(22) رقم (5106) (9/158) .

(23) رقم (1446) وذلك أن حمزة بن عبد المطلب عم النبي - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنه، هو أخ له عليه الصلاة والسلام في الرضاع.

(24) ينظر:"فتح الباري"9/143) .

(25) سورة النساء، الآية: 23.

(26) ينظر:"فتح الباري" (9/143) .

(27) ينظر:"مختار الصحاح" (ربب) ، و"الفتح" (9/144) .

(28) سورة النساء، الآية: 23.

(29) ينظر:"تفسير ابن كثير" (2/251) ط السلامة.

(30) "الإصابة" (7/548) رقم (10964) .

(31) "تهذيب الأسماء واللغات" (2/359) .

(32) انظر:"سير أعلام النبلاء" (2/219) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت