ظلموا،ولكن يفعل الرجل ذلك ويكون ذلك منه عدلًا وإنصافًا يطلبه ويكون ضده بغيًا يتباعد المنصف منه ويتنزه هو عنه.
الآن آتي لموضع العظمة حقًا في شخصية هذا الرجل الفذ ؛ذلك أن ما تقدم من الكلام عظيم ولا شك ،ولكن تطبيقه والعمل به هو موضع المحنة ومحل الفتنة؛ ذلك أن حمل النفس على العدل مع خصومها ،والصبر على أذى من يؤذيه هو مقام جليل ،فإذا كان المُؤذى ناطقًا بكلمة الله قائمًا بحجة الحق= كان صبرُه على الأذى وعدلُه مع مخالفه وإنصافُه له حينها من مقامات الأنبياء ،و لا يلحق بشعبة منه إلا الكملة من ورثتهم وكذلك كان الشيخ،والآن أترككم مع هذا الموقف الدال على ذلك و الذي يأبى جلاله أن أعود عليه بتعليق فأختم به إن شاء الله .
قال ابن عبد الهادي: (( فلما كان في رابع شهر رجب من سنة إحدى عشرة وسبعمائة جاء رجل فيما بلغني إلى أخيه الشيخ شرف الدين وهو في مسكنه بالقاهرة فقال له إن جماعة بجامع مصر قد تعصبوا على الشيخ وتفردوا به وضربوه
فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل !
وكان بعض أصحاب الشيخ جالسا عند شرف الدين قال: فقمت من عنده وجئت إلى مصر فوجدت خلقا كثيرا من الحسينية وغيرها رجالا وفرسانا يسألون عن الشيخ، فجئت فوجدته بمسجد الفخر كاتب المماليك على البحر واجتمع عنده جماعة وتتابع الناس وقال له بعضهم يا سيدي قد جاء خلق من الحسينية ولو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا
فقال لهم الشيخ: لأي شيء (؟)
قالوا: لأجلك
فقال لهم: هذا ما يحق
فقالوا: نحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك، فنقتلهم ونخرب دورهم؛فإنهم شوشوا على الخلق وأثاروا هذه الفتنة على الناس .
فقال لهم: هذا ما يحل .
قالوا: فهذا الذي قد فعلوه معك يحل هذا شيء لا نصبر عليه ولا بد أن نروح إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا
والشيخ ينهاهم ويزجرهم.