الصفحة 56 من 118

ولا شك أن ذلك إدراك منهم -رحمهم الله- لروح التوحيد ولمراد الله سبحانه في قوله: [ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ] وفسر الذكر بالخطبة ، ويشهد له حديث ( وحضرت الملائكة يستمعون الذكر ) وفسر بالصلاة ، ولا مشاحة فالأمر بالسعي للخطبة أمر بالصلاة ولن تكون الخطبة بالمعنى المطلوب الذي يصدق عليه أنه في جملته ذكر إذا تضمنت مدح أقوام بأعيانهم ، أو ذم أقوام بأعيانهم ، ولذا كان بعض السلف -رحمهم الله- يستسيغ لنفسه الكلام أثناء خطبة خطيب الجمعة إذا خرج فيها عن مقتضاها . قال صاحب المغني -رحمه الله-: ( وكان سعيد بن جبير والنخعي والشعبي وإبراهيم بن مهاجر وأبو بردة يتكلمون والحجاج يخطب ، وقال بعضهم: إنَّا لم نؤمر أن ننصت لهذا ) [2] . وقال القرطبي -رحمه الله- في تفسيره لهذه الآية: ( فإن قلت كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها غير ذلك ؟ قلت ما كان من ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله ، فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم وهم أحقاء بعكس ذلك فهو من ذكر الشيطان وهو من ذكر الله على مراحل ) [3] . ولا جرم أن يخرج هذا النفس من هذا العالم الجليل ، فإن أمرًا جعل شرطًا لصحة صلاة الجمعة واعتبر جزءًا من مجموعها ومعلوم وجوبها العيني أنه يتعين الاهتمام به وحمايته وأداؤه وفق المشروع كي لا يتطرق إليه نقص ، فينسحب نقصه عليها . فيا اخوتي في الله القائمين على هذا الثغر العظيم ، ثغر توجيه وإبلاغ وإمامة وشهادة على الناس يوم يقوم الأشهاد: اعرفوا لهذا الموقف حقه ، واذكروا به موقفكم أمام الله يوم تستشهدون على الناس ، اسلكوا فيه الطريق السوي الذي لا غلو فيه ولا جفاء ، فاستعمال الخطبة للنيل من أقوام بأعيانهم خروج بها عن الوسطية المطلوبة فيها ، والمبالغة فيها بالثناء على أقوام بأعيانهم خروج كذلك عن الوسطية المطلوبة فيها . قال جابر بن سمرة -رضي الله عنه-: « صليت ( يعني الجمعة ) مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا » ، رواه مسلم وغيره ، والقصد الاعتدال ، فالمطلوب في خطب الجمعة ونحوها على وجه التقريب والتمثيل أن يختار الخطيب أوصافًا وأعمالًا فاضلة مما وصف به المؤمنون في القرآن الكريم والسنة المطهرة ، فيحث عليها ، ويرغب فيها ، أو أوصافًا ذميمة وأعمالًا سيئة من أعمال وأوصاف الكفار أو المنافقين أو فجار المسلمين ، فيحذر وينذر منها ، أو منكرًا ظاهرًا ؛ فيذكره بأوصافه دون تسمية أهله في مثل هذا المقام المشترك في التقرب إلى الله بين المتكلم فيه والمستمع له ، مبتعدًا في لفظه عن وحشي الكلام ومبتذله ، بادئًا بتقرير وبيان التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ، وبيان ما يناقض أصله أو كماله الواجب ، فأصول الإيمان وأركان الإسلام ، فالفضائل والمسائل ، وبإمكانه أن يربط الموضوع الذي يريد علاجه بتلك الأوصاف لا بأعيان أهله كما فعل -صلى الله عليه وسلم- ، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: « جائتني بريرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت