يوم أن تتوالي رنَّات الهاتف.. ولا أحد حوله إلا أنا، فأرفع السماعة، فيسألني الرجل مخطئا من يريد، فأردُّ عليه، فيعيد سؤالا آخر مطليٌّ ببراءة خبيثة ثم كلمة مدح وإطراء.. وأخرى فيها قصد ودهاء.. والعذارى يغرُّهنَّ الثناء، فأغلق الهاتف في وجهه، ثم تتوالى رناته أخرى فأعزم على أن لا أرفع السماعة.. ولكن.. من يدري ربما لا يكون هو؟!.. فأرفع السماعة، فيسابقني إلى ترحيبة مخدِّرة.. ولوم لطيف كما لو كان هناك علاقة بعيدة.. ويلومني الشيطان: أنت مخطئة!!.. وهو كلامٌ.. وكلامٌ فقط.. والمكان خالٍ.. وأنت بالفعل كما يقول في وصفه وإعجابه.. والنفس في شهوتها جائعة تفتقر للإشباع.. فأنزلق مع التيار، وأنساق مع الكلام في رحلة غامضة آثمة.. نعم يا أبي. أعلم أن الخطأ نتقاسمة أنا وأنت. وأنَّ لي نصيب الأسد منه.. غير أن لك - يا أبي - حظًا وافرًا من الخطأ حين تفتح ذلك الباب دون حارس أو رقيب.. أو حتى معالجة وضعية ذلك الجهاز وترشيد مكانه.
ومن الأمثلة أيضًا:
* اللامبالاة الظاهرة فيما يخصُّ المظهر.. فكم كنا نلبس الضيق من الملابس وتراها وهي تصف أعضاءنا وصفًا أحسن مما هي عليه.. فلا نرى منك أمرًا.. أو نهيًا.. أو تنبيهًا.
ومثله المفتوح.. والقصير.. والبنطال.. والخفيف. ولا أكتمك ما ترسَّخ في عقولنا منذ الصغر من أن بعض تلك الأعضاء ليست من العورة.. وأنها خارجة عن دائرة الحياء؛ لأنها لم تتعود الستر منذ الصغر!! أو حينما ترى قصّات الشعر غير العادية والإفراط فيها.. ثم لا نراك تحرك ساكنًا معها!! وكم رجف فؤادي عندما طرق سمعي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» .