إن أوَّلَ عمل يُسْتَحبُ أن يبدأه الحاج من نسك الحج بعد تلبسه بإحرام الحج - سواء كان مكيًا أو آفاقيًا - هو الخروج إلى منى في اليوم الثامن من ذي الحجة (يوم التروية) (1) ضحىً وأن يصلي بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر من يوم عرفة (التاسع) ·
كما قال ابن قدامة: (إن المستحب أن يخرج مُحرمًا من مكة يوم التروية، فيصلي الظهر بمنى، ثم يقيم حتى يصلي بها الصلوات الخمس، ويبيت بها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما جاء في حديث جابر [··· فلما كان يوم التروية: توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب بنمرة ···] (2) - وهذا قول سفيان، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا، وليس ذلك واجبًا في قولهم جميعًا، قال ابن المنذر: ولا أحفظ عن غيرهم خلافه، وتخلفت عائشة ليلة التروية حتى ذهب ثلثا الليل، وصلى ابن الزبير بمكة) (3) ·
وقال ابن المنذر أيضًا: (··· وأجمعوا على أن من ترك المبيت ليلة عرفة لا شيء عليه ···) (4) ·
ويستخلص من هذا النص بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، وأفعاله صلى الله عليه وسلم في القرب تدل على الوجوب أو الندب، فإذا دل دليل على انتفاء الوجوب فهي على الندب ·
فتأخر السيدة عائشة رضي الله عنها عن المبيت بمنى في ليلة التروية إلى الثلث الأخير من الليل، وكذلك صلاة ابن الزبير رضي الله عنه الظهر بمكة، بالإضافة إلى أنه صلى الله عليه وسلم لم يلزم كل أحد من أصحابه الحجيج المبيت بمنى في هذه الليلة فدل على صرف فعله صلى الله عليه وسلم إلى الندب والاستحباب ·
-ومن أقوى الأدلة الدالة على استحباب المبيت بمنى ليلة التاسع حديث عروة ابن مضرس الطائي حيث يقول: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمزدلفة، فقلت يا رسول الله جئت من جبلي طيّ، ووالله ما جئت حتى أتعبت نفسي، وأنضيت راحلتي، وما تركت جبلًا من هذه الجبال إلا وقد وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من شهد معنا هذه الصلاة صلاة الفجر بمزدلفة، وقد كان وقف بعرفة من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضى تفثه) (1) ·
فيدرك بدلالة الإشارة أن من فاته من النسك قبل الوقوف بعرفة ماذكر في الحديث، فحجه صحيح تام، وهذا يلزم حكم عدم ركنية المبيت بمنى ليلة التاسع ووجوبه فيكون من المبيت في هذه الليلة سنة مستحبة ·
وهذا ما ذكره النووي رحمه الله بقوله:
(ثم إذا خرجوا يوم التروية إلى منى، فالسنة أن يصلوا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيتوا بها، ويصلوا بها الصبح، وكل ذلك مسنون ليس بنسك واجب، فلو لم يبيتوا بها أصلًا ولم يدخلوها فلا شيء عليهم، لكن فاتتهم السنة······) (2) ·
وقال المرغيناني: (ولو بات بمكة ليلة عرفة، وصلى بها الفجر ثم غدا إلى عرفات، ومرّ بمنى أجزأه) (3) · ا هـ ·
ثم يغدو فينزل بعرفات، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم ·
وقد اتفق الفقهاء على استحباب الصلاة بمنى (الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر) والمبيت بها ليلة التاسع - كما سبق -، وإن تفاوتت عباراتهم في وقت الخروج من مكة المكرمة ·
قال الإمام أبو يوسف: (ثم يخرج إلى منى بالهاجرة، فيصلي بها يوم التروية: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، والفجر من يوم عرفة ثم يغدو فينزل بعرفات) (1) ·
قال الطحاوي: (فإذا كان يوم التروية خرج إلى منى، فصلى بها الظهر، وبات بها، فإذا أصبح