الْمُنْزِلِينَ [المؤمنون: 29] ، وغيرها من الآياتِ، وهذا المعنى لا يُحملُ عليه معنى نزولِ القرآنِ، كما أنَّ الحلولَ في المكانِ لا يخلو من معنى الهبوطِ من علو إلى سفلٍ، قال ابن فارس (ت:395) : «النون والزاء واللام كلمةٌ صحيحةٌ تدلُّ على هبوطِ شيءٍ ووقوعِه ...» [1] .
وقال الزَّبيديُّ في تاج العروس: « (النُّزولُ) بالضمِّ (الحلولُ) ، وهو في الأصلِ انحطاطٌ من علوٍّ» [2] .
وإنما قَادَهُ إلى ذلكَ إنكارُه تَكَلُّمَ اللهِ بوحيه إلى جبريلَ، وسماعَ جبريلَ ذلك من اللهِ [3] ، وإنكارَه علوَّ اللهِ على خلقِه [4] ، وما يتبعُه من صفةِ استوائه
(1) مقاييس اللغة (5:417) .
(2) تاج العروس، مادة (نزل) .
(3) صفة الكلامِ الإلهي عنده قد ذكرها في مواضع، منها قوله: «وكلامُ اللهِ لموسى عليه السلام دونَ تكييفٍ ولا تحديدٍ ولا تجويزِ حدوثٍ، ولا حروفٍ، ولا أصواتٍ.
والذي عليه الراسخونَ في العلم أنَّ الكلامَ: المعنى القائم بالنفسِ، ويخلقُ اللهُ لموسى أو جبريلَ إدراكًا من جهةِ السَّمعِ يتحصَّلُ به الكلامُ ...». المحرر الوجيز، ط: قطر (4:296) ، وينظر (6:67) . وسيأتي تتمةٌ في الكلامِ على هذه الصفةِ الإلهيةِ.
(4) فسَّر اسم الله العليَّ، فقال: «والعليُّ: يرادُ به عُلوُّ القُدرةِ والمنزلةِ، لا عُلوُّ المكانِ؛ لأن اللهَ مُنَزَّهٌ عن التَّحيُّزِ. وحكى الطَّبريُّ عن قومٍ أنهم قالوا: هو العليُّ عن خلقِه بارتفاعِ مكانه عن أماكنِ خلقِه.
قال القاضي أبو محمدٍ رحمه الله: وهذا قولُ جَهَلَةٍ مُجسِّمين، وكانَ الوجه ألاَّ يُحكى».
المحرر الوجيز، ط: قطر (2:387) .
وهذا من غرائبِ الإمامِ ابن عطية ـ عفا الله عنه ـ وأهل السنةِ من المحدثين والفقهاء على إثباتِ العلوِّ لله، وقد كتبَ فيه كثيرونَ، منهم الإمام الذهبي، وقد ذكر عن الإمامِ مالكٍ الذي يَتَّبعه ابن عطيَّةَ في الفروعِ إثباتَ العلوِّ، فقال: «اللهُ في السَّماءِ، وعلمه في كلِّ مكانٍ لا يخلو منه شيءٌ» . العلوُّ للعليِّ العظيمِ، للذهبي، تحقيق: د. عبد الله بن صالح البرَّاك (2:951) ، والكتابُ بأكملِه في إثباتِ العلوِّ كما هو ظاهرٌ من عنوانِه.