إذا كان للإمام الشافعيِّ فضل السبق بالتدوين ، فلا يعني أن كلَّ مسائل الأصول قد حررت ، وانتهى أمرها ، بل شارك علماء علم الكلام أيضًا بالكتابة فيه ، وأبرز أوائلهم كانوا [ المعتزلة ] ، كما كان لمن بعده فضل تنميته وتحرير مسائله ، وإغنائها بالإضافات والاستدراكات ، فنشأت مدارس في أسلوب التدوين لما لم يدوَّن من مسائل الأئمة ، أو محاولة الوصول إلى ما راعوه في اجتهادهم مما لم يصرحوا به .. فنشأت في ذلك مدرستان ، ثم تبعتها ثالثة ، ثم رابعة هي أقل شأنًا ممن سبقها .
كل هذا في نطاق من سموا بـ [ أرباب المعاني ] ، في حين نشأ للظاهرية منهجٌ آخر قلَّ الآخذون به أسبابٍ عدَّة ، ويحاول الكثير جعل منهج الإمام الشاطبي المالكي في التدوين منهجًا مستقلًا .. ولهذا نعرض لهذه المناهج - إن شاء الله - بشئٍ من الإسهاب وحسب التيسير .
أولًا / طريقة المتكلمين والمسماة بطريقة الشافعية - وتقوم على تجريد قواعد الأصول عن الفقه ، والميل إلى الاستدلال العقلي ما أمكن ذلك ، فما أيدته العقول السليمة والحجج المقنعة .. أثبتوه وإلا فلا ، دون اعتبار لموافقة ذلك للفروع الفقهية ، فهدفهم ضبط القواعد لتكون دعامة للفقه ، وضابطة للفروع من غير اعتبارٍ مذهبي ، فهذا الآمدي الشافعي في كتابه [ الإحكام في أصول الأحكام ] يرجح حجية الإجماع السكوتي موافقًا للأحناف ومخالفًا إمام مذهبه .
وواضحٌ أن هذا المسلك هو الذي يتفق مع اتِّجاه المعتزلة من علماء علم الكلام ، ومسلكهم النظر إلى الحقائق مجردة دون تقليدٍ أو تعصب .
ويبدو أن علماء علم الكلام - وهم يكتبون في الأصول - قد أدخلوا كثيرًا من مواضيع علم الكلام لأدنى ملابسة ، ومن ذلك كتاباتهم عن عصمة الأنبياء قبل النبوة ، وعن التحسين والتقبيح العقليين ، وهم في كتاباتهم قلَّما يتعرضون للفروع الفقهية ، فنجد طريقتهم تمتاز بأمرين:
أ. البعد عن مسالك الفروع .
ب. الاستدلال العقلي .