أخي بعثت تسألني عمن رحلوا وطال الرحيل، وغدا لذكرهم في القلب حنين وألم كبير، ووصفهم منحوت في ذاكرتنا، وأطيافهم تحوم حول سمائنا وأرضنا، وخطى أقدامهم منثورة في شوارع الجزائر والبليدة والبويرة وقسنطينة والأوراس وبلعباس، وستبقى أسمائهم منقوشة على رمال الصحاري العظيمة وجبال الشريعة والأوراس وجرجرة الشامخة.
أخي لقد سالت الدماء، وفاضت الأرواح، وعلى أرض الجزائر كان الميعاد.
فما عساي أن أكتب لأسود هذا البياض بشأن رجال مدادهم دماء، وعروقهم عطاء، بل وحياتهم وقف لرب الأرض والسماء.
أكتب عنك يا شيخنا - مصطفى بويعلي - يا من نحتّ على قلوبنا جزائر الجهاد والاستشهاد، ورسمت بدمائك لنا الطريق.
خلفت الدنيا وراءك ظهريًا ليس لأهلك ولا لولدك معك نصيب، بعت نفسك وجدت بروحك وأنت من أنت، في وقت ظن كل رخيص النفس مزجي البضاعة بنفسه وكأنها أنفس ملائكة.
كان شيخنا الكريم من الشباب المسلم الذي تربى في أكناف جمعية العلماء المسلمين على يد الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس رحمه الله، الذي غرس في نفوس الشباب معاني الجهاد والاستشهاد، مما حدى بشيخنا ذو النفس التواقة إلى لقاء الله أن يرفض الذل والهوان ويكون من أوائل من حملوا السلاح في وجه الاستعمار الفرنسي الصليبي، فأذاقهم مر العلقم وكان وإخوانه من أبناء الجمعية في مقدمة الصفوف أثناء الثورة المباركة.
ولكن وبمرور السنوات رحل الصفوة شهداء، وخَلَفَ من بعدهم الخونة الجبناء، وعشية الاستقلال المزعوم رأى شيخنا أن ثمار جهاده وإخوانه من الشرفاء قد استولى عليها حفنة من العملاء الشيوعيين واللائكين ربائب الاستعمار، فراعه ذلك وسلك درب النصيحة لكل من حوله من ضباط جيش التحرير بصفته ضابطًا، ولكنه وجد آذانًا صماء وقلوبًا أقسى من الحجارة إلا حفنة قليلة من الشرفاء، فاستقال من الجيش وانضم إلى من تبقى من شيوخ الجمعية وأسسوا "مؤسسة القيم" بقيادة الشيخ البشير الإبراهيمي وعضوية كل من الشيخ عبد اللطيف سلطاني والشيخ عمر عرباوي والشيخ مصباح حويدق رحمهم الله، وكان دور المؤسسة إعادة ربط الشباب بقيم دينهم الأصيلة والذود عن مقدسات الأمة ومحاولة استرجاع أمانة الشهداء، ولكن ما لبث النظام الطاغي أن حل الجمعية وشرد أعضاءها سنة 1965 بعد إصدارها بيانًا شديد اللهجة ضد النظام الناصري اللعين غداة إعدام الشهيد الرمز سيد قطب رحمه الله، ووُضِعَ الشيخ الإبراهيمي قيد الإقامة الجبرية إلى أن وافته المنية، كما أُوقِف الشيخ عبد اللطيف سلطاني عن الإمامة وتعرض للسجن والتضييق وكان آخرها سنة 1982م، وتوفي بعدها بعام داخل السجن، كما سجن الشيخ عمر عرباوي والذي يُعدّ الأب الروحي لكل من الشيخ بو يعلى والشيخ على بن حاج فك الله أسره، والشيخ عرباوي هو من مؤسسي الحركة الإسلامية الجزائرية والتي خرجت من رحمها حركة الشيخ بو يعلى "الحركة الإسلامية المسلحة"، وفي هذا الظرف العصيب تحمل شيخنا مسؤولية الدعوة وكان خطيبًا وناشطًا بمسجد العاشور بالعاصمة، لكنه كان يجوب الجزائر شرقًا وغربًا، يستنهض الهمم وكانت خطبه النارية تلهب أضلع الجلادين فاعتقلوه وهددوه وعذبوه فما وهن وما استكان، فكانت لمواقفه البطولية والجريئة عظيم الأثر في نفوس الشباب.
وفي غمرة هذه الأحداث بدأ الشيخ يزداد يقينًا أن طريق الدعوة والإرشاد وحده لن يزيد هذا النظام إلا تجبرًا وفتكًا بشباب الصحوة، فلابد من رادع لهؤلاء الطغاة.