بقلم: أخو من طاع الله
أوَّل مواجهة عسكرية بين جيش المسلمين، وجيوش الروم الصليبيين، كانت في معركة مؤتة، بعد أن خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهِم في غزوة العسرة بتبوك ففرُّوا من بين يديه ولم يلقه من الروم أحد.
وقد شاعَ عند أكثر الناس القول الخطأ بأنَّ غزوة مؤتة لم تزد على كونها انسحابًا ناجحًا استطاع خالد بن الوليد فيه المحافظة على جيش المسلمين وانسحب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فئةُ كل مسلم.
وقد اختلف أصحاب المغازي والسير في حقيقة ما جرى في مؤتة، فهذا القول الشائع عند الناس هو قول ابن إسحاقَ صاحب المغازي، وخالفه جماعة من علماء الناس بالسير؛ منهم: الزهري، وموسى بن عقبة، والواقدي، والبيهقي، والحافظ ابن كثير، فقالوا إنَّ جيش المسلمين انتصر في تلك المعركة نصرًا عسكريًّا.
وقد استدلَّ ابنُ إسحاق على ذلك بأبياتٍ رواها عن قيس بن المحسّر اليعمريّ:
فوالله لا تنفك نفسي تلومني ... على موقفي والخيل قابعة قبلُ
وقفت بها لا مستجيزًا فنافذًا ... ولا مانعًا من كل حم له القتلُ
على أنني آسيت نفسي بخالد ... ألا خالدٌ في القوم ليس له مثلُ
وجاشت إليَّ النفسُ من نحوِ جعفرٍ ... بمؤتة إذ لا ينفع النابل النبلُ
وضم ... إلينا ... حجزتيهم ... كليهما ... مهاجرة لا مشركون ولا عذلُ
قال ابن إسحاق: فبين قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره: أن القوم تحاجزوا وكرهوا الموت وحقق انحياز خالد بمن معه.
قلتُ ابن إسحاق ليس بحجة في الشعر ومعرفته، وقد ذكر ابن سلام الجُمحي في طبقات فحول الشعراء هذا الأمر عن ابن إسحاق فقال: "وكان ممن أفسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منه محمد بن إسحاق بن يسار مولى آل مخرمة بن المطلب بن عبد مناف وكان من علماء الناس بالسير قال الزهرى لا يزال في الناس علم ما بقى مولى آل مخرمة وكان أكثر علمه بالمغازي والسير وغير ذلك فقبل الناس عنه الأشعار وكان يعتذر منها ويقول لا علم لى بالشعر أُوتى به فأحمله ولم يكن ذلك له عذرًا فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط وأشعار النساء فضلا عن الرجال ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود فكتب لهم أشعارا كثيرة وليس بشعر إنما هو كلام مؤلف معقود بقواف أفلا يرجع إلى نفسه فيقول من حمل هذا الشعر ومن أداه منذ آلاف من السنين والله تبارك وتعالى يقول فقطع دابر القوم الذين ظلموا أي لا بقية لهم وقال أيضا وأنه أهلك عادًا الأولى وثمود فما أبقى وقال في عاد فهل ترى لهم من باقية وقال وقرونًا بين ذلك كثيرًا"، ثمَّ طول في إثبات بطلان الأشعار المنقولة عن عاد وثمود ونحوهم.
وما ذكره ابن سلام من بطلان كثير من الأشعار التي يذكرها ابن إسحاق صحيح لا شكَّ فيه، لا تخطئه عين من يقرأ السيرة التي كتبها ممن له أدنى معرفة بالشعر، وقد أثبت ابن سلام أنَّه كان يُؤتى بالشعر فيرويه، وثبت أن كثيرًا من الأشعار التي يرويها باطلٌ يقينًا، فهذا مما يُوهن الاستدلال بها، ويُضعف كثيرًا من الأشعار التي يرويها ابن إسحاق.
هذا والأبيات التي ذكرها ابن إسحاق ليست بصريحة في الدلالة على ما ذكر، وإنَّما يلوم نفسه على موقفه وعدم تقدمه وإثخانه في الروم، وفرقٌ بين التقدُّم والإثخان في القوم وتقتيلهم كل مقتل، والاكتفاء بهزيمتهم وقتل سادتهم وأشرافهم حتَّى ينسحبوا وفيهم قوة وبقية، فقد لام نفسه على اقتصاره على الثاني وأنَّه اتَّسى في ذلك بخالد بن الوليد، وليس فيها أنه انهزم ولا اعتذر عن الهزيمة أو الانسحاب.
ثمَّ إن الأبيات إذا قُوبلت بما يأتي من الأدلة على القول الآخر لم تقاومها، فوجب المصير إلى الأدلة الأخرى التي تقابلها، وسيأتي ذكرها.