إن الخصومة إذا نمت وغارت جذورها، وتفرعت أشواكها شلت زهرات الإيمان الغض، وأذوت ما يوحى به من حنان وسلام . وعندئذ لا يكون في أداء العبادات المفروضة خير، ولا تستفيد النفس منها عصمة . وكثيرا ما تطيش الخصومة بألباب ذويها، فتتدلى بهم إلى اقتراف الصغائر المسقطة للمروءة والكبائر الموجبة للعنة، وعين السخط تنظر من زاوية داكنة، فهى تعمى عن الفضائل، وتضخم الرذايل. وقد يذهب بها الحقد إلى التخيل وافتراض الأكاذيب وذلك كله مما تسخطه الإسلام ويحاذر وقوعه ، ويرى منعه أفضل القربات . قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى! قال؟ إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هو الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين". ربما عجز الشيطان أن يجعل من الرجل العاقل عابد صنم. ولكنه ـ وهو الحريص على إغواء الإنسان وإيراده المهالك ـ لن يعجز عن المباعدة بينه وبين ربه، حتى يجهل حقوقه أشد ما يجهلها الوثنى المخرّف، وهو يحتال لذلك بإيقاد نيران العداوة في القلوب . فإذا اشتعلت استمتع الشيطان برؤيتها وهى تحرق حاضر الناس ومستقبلهم ، وتلتهم علائقهم وفضائلهم: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكنة لم ييأس من التحريش بينهم". ذلك أن الشر إذا تمكن من الأفئدة فتنافر ودها، وانكسرت زجاجتها ارتد الناس إلى حال من القسوة والعناد، يقطعون فيها ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض . * * * وقد تيقظ الإسلام لبوادر الجفاء، فلاحقها بالعلاج ، قبل أن تستفحل وتستحيل إلى عداوة فاجرة، والمعروف أن البشر متفاوتون في أمزجتهم وأفهامهم، وأن التقاءهم في ميادين الحياة قد يتولد عنه ضيق وانحراف، إن لم يكن صدام وتباعد. ولذلك شرع الإسلام من المبادئ ما يرد عن المسلمين عوادى الانقسام والفتنة وما يمسك قلوبهم على مشاعر الولاء