فَكُلُّ هَذَا وَأَمْثَالُهُ لَوْ تَأَمَّلْتَهُ لَوَجَدْتَ الفَسَادَ الوَاقِعَ فِي الخَلْقِ مَرَدّهُ إِلَيْهِ، وَالشرَّ الْمُسْتَطِيرَ بِنَاءَهُ عَلَيْهِ، فَمَا مِنْ بَلِيَّةٍ إِلاَّ وَهُوَ جَذْرُهَا وَأُسُّها، وَلاَ رَزِيَّةٍ إلاَّ وَهُوَ أَصْلُهَا وَفَصْلُهَا، ثُمَّ إنّ الدَّاهِيَةَ الْمَدْهِيَّةَ وَالفِتْنَةَ الصَّمَّاءَ العَمِيَّةَ؛ أَنْ يُجَارِيَ بَعْضُ العُلَمَاءِ وَالدُّعَاةِ مَنْ يُرَوِّجُ لِهَذِهِ الألْفاظِ مِنَ المُغْرِضِينَ، أَوْ يَلْهَجَ بِمَا تَلْهَجُ بِهِ العَامَّةُ مِنْ ذَلكَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، إِمَّا غَفْلَةً مِنْهُمْ وتَهاوُنًا؛ أَوْجَهْلًا بِما وَراءَها مِن المَقاصِدِ والغاياتِ؛ وَإِمَّا مُحاكَاةً لِمَا اعْتَادَهُ الأَكْثَرُونَ ودَرَجُوا علَيهِ حَتَّى أَلِفَتْهُ أَسماعُهُمْ؛ ولَمْ يَلْبَثْ أنِ استَقَرَّ فِي عُقُولِهِم ونُفُوسِهم, فَيَرَى فِي مُخَالَفَتِهِمْ سَبَبًا لِنَفْرَةِ النَّاسِ مِنْهُ وَصُدُدِوهِمْ عَنْهُ، وَإِمّا حَذَرًا مِمَّا يَجْلِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَيَجُرُّ إِلَيْهِ مِنْ فَواتِ دُنْيا يُصِيبُهَا أَوْ أَذِيَّةٍ تَمَسُّه.
وَعَلَى شاكِلَةِ ما ذكَرْناهُ الأَلْفَاظُ الْمَذْكُورَةُ فِي السُّؤَالِ، فَإنَّّ أَعْداءَ الإِسْلاَمِ لَمَّا رَأَوْا أنَّ الْجِهَادَ فِي سَبيلِ اللهِ هُوَ رُكْنُ الدِّينِ الذِي بِهِ قِوامُهُ؛ وَبِهِ تَقُومُ دَوْلَةُ التَّوْحِيدِ؛ وتُقَوَّضُ خِيامُ الكُفْرِ وَالتَّنْدِيدِ، أَخَذُوا يَصُدُّونَ النّاسَ عَنْهُ بِكُلِّ آلَةٍ وَوَسِيلَةٍ! , وَيَرْمُونَ أَهْلَهُ بِالأَلْفَاظِ الْمُنَفِّرَةِ التِى تَمُجُّهَا الأَسْمَاعُ وَتَعَافُهَا النُّفُوسُ!، فَتَارَةً يُسَمُّونَهُ إِرْهَابًا؛ وَتَارًةً تَطَرُّفًا؛ وَتَارَةً عُدْوانًا؛ وأُخْرى ظُلْمًا, وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأَلْفَاظِ الْمُخْتَرَعَةِ الْْمُبْتَدَعَةِ التِي لا يَعْجَزُ عَن مِثْلِها سَفَلَةُ الخَلْقِ وأَوْباشُ الناسِ، وَالتِي لاَ تَكُفُّ عَنْهَا أَلْسِنَتُهُمْ وَلاَ نِهَايَةَ لَهَا وَلاَ حدَّ يَقِفُونَ عِنْدَهُ، فَإِنَّ مَنْ يَفْتَرِي مَا يَرْمِي بِهِ أَهْلَ الْحَقِّ لِصَدِّ النَّاسِ عَنْهُ؛ لاَ يَرْدَعُهُ رَادِعٌ وَلاَ يَزْجُرُهُ زَاجِرٌ، كَمَا قِيلَ:
مَنْ كَانَ يَخْلُقُ ما يَقُـ ... لُ فَحِيلَتِي فِيهِ قَلِيلَة!.
وَفِي الْمُعْجَمِ الوَسِيطِ: الإِرْهَابِيُّونَ: وَصْفٌ يُطْلَقَ عَلَى الّذِينَ يَسْلُكُونَ سَبِيلَ العُنْفِ وَالإِرْهَابِ لِتَحْقِيقِ أَهْدَافِهِمُ السِّيَاسِيَّةِ.
وَفِي الْمُنْجِدِ: أَنَّ كَلِمَةَ الإِرْهَابِيِّ تَدُلُّ عَلَى كُلِّ مَنْ يَلْجَأُ إِلَى الإِرْهَابِ لإقَامَةِ سُلْطَةٍ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللهُ عَنْهُ: هَذا اللفْظُ بِهَذا المَعْنَى لا وُجُودَ لَهُ فِي كُتُبِ اللغَةِ؛ ولا فِي كَلامِ المُتَقَدِّمِينَ، وإِنَّما هُو اصْطِلاحٌ مُحْدَثٌ مُخْتَرَعٌ، ويُقالَ إنَّ اللفظَ استُعْمِلَ لأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي أَوْرُوبا للدّلالَةِ علَى العُنْفِ السياسِيِّ أثْناءَ الثَّوْرَةِ الفَرَنْسِيَّةِ التِي كانَتْ بَيْنَ عامَي (1789 و 1799) ؛ وذلكَ حِينَ اسْتَعْمَلَ بَعْضُ الذِين اسْتَوْلَوا علَى السُّلْطَةِ العُنْفَ ضِدَّ أعْدائِهِمْ؛ وعُرِفَتْ فَتْرَةُ حُكْمِهِمْ باسْمِ عَهْدِ الإرْهاب، فَقامَ أمْثالُ (كُوثُون) و (سَانْجِيسْتْ) بِحَمْلَةِ قَتْلٍ وإعْدامٍ للمُعارِضِينَ شَمِلَتْ أنْحاءَ فَرَنْسا؛ وبَلغَ عَدَدُ مَن قُتِلَ فِي (بارِيسَ) وحَدها فِي الأسابِيعِ السَّتَّةِ الأخِيرَةِ من العَهْدِ المَذكُورِ نَحْوَ (1400) مِن البَشَرِ!، ومِن جُمْلَةِ سُكانِ فَرَنْسا بَلغَ عَدَدُ مَن قُتِلُوا (بالمِقْصلَةِ) نَحْو أرْبَعِينَ ألْفًا!، واقْتِيدَ إلَى السجْنِ نَحْوُ ثَلاثَمائةِ ألَف!، واسْتُعْمِلَ اللفْظُ فِي أَمْرِيكا أَيْضًا بَعْدَ الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ عامَ (1865) بِقِيامِ جَماعَةٍ عُنْصُرِيَّةٍ تُعْرَفُ باسْمِ (كُوكْلُوكْس كلان) ضِدَّ السُّودِ والمُتَعاطِفِينَ مَعَهُم!.
وعَلَى كُلِّ حالٍ فَلَيْسَ المقْصُودُ هُنا الحَدِيثَ عَن تارِيخِ ذلكَ فِي أُمَمِ الغَرْبِ ولا غَيْرِها، وإِنَّما المُرادُ أَنَّهُ بِهَذا المَعْنَى مِن المُصْطَلَحاتِ الوافِدَةِ الدَّخِيلَةِ عَلَى أَهْلِ الإسلامِ؛ شَأنُهُ فِي ذلكَ شَانُ غَيرِهِ من الألْفاظِ (كالأصولِيَّةِ) و (التَّطَرُّفِ) ونَحْوِها؛ كما كانَ يُقالُ بالأمْسِ: (رَجْعَيَّةٌ ورَجْعِيُّ) ؛ وكما اخْتَرَعَ الحَداثِيُّونَ الجُدُدُ (الماضَوِيَّةَ) و (التارِيِخانِيَّةَ) نِسبَةً إلَى التارِيخِ القَدِيمِ!؛ و (الأُمَمِيَّةَ) ؛ وكُلُّها يُرِيدُونَ بِها المُسْلِمَ المُسْتَمْسكَ بِدِينِ الإسْلامِ، كما تَرى ذلكَ مَبْسُوطًا فِي مُعْجَمِ المَناهِي اللفْظِيةِ لبَكْرِ بن عَبْدِ اللهِ أبو زَيدٍ رَحِمَهُ الله.