ومن خلال ما مضى يتبين لنا أهمية علم البلاغة للكاتب؛ فحقيق على مَنْ يمارس صناعة الكتابة أن يكون ذا دراية، واطلاع على هذا العلم.
وإنَّ مما يعينه على ذلك أن يقف على ما كُتب فيه؛ فَعِلْم البلاغة كان مندرجًا في جملة علم الأدب، وكانت مسائله شُعْبَةً من شعب النحو والأدب؛ وكانت مبثوثة في ثنايا مؤلفات العلماء ككتاب سيبويه، وكطبقات الشعراء لابن سلام، والبيان والتبيين للجاحظ، والبديع لابن المعتز، ونقد الشعر لقدامة بن جعفر، والموازنة بين أبي تمام والبحتري للآمدي، والوساطة بين المتنبي وخصومه للقاضي علي بن عبدالعزيز الجرجاني.
ثم ألَّف أبو هلال العسكري ت 395هـ كتابه العظيم (كتاب الصناعتين: الكتابة والشعر) فعرض زبدة تلك الكتب، وصار كتابه من أمهات البلاغة.
ثم جاء الشيخ عبدالقاهر الجرجاني ت 471هـ فخصَّ علم البلاغة بالتدوين في كتابيه: (كتاب دلائل الإعجاز) و (كتاب أسرار البلاغة) فأعطى ألقابًا للمسائل، وأخرج الكلام في الإعجاز عن الصفة الجزئية إلى قواعد كلية مسهبة مبرهنة.
ولم يَصِرْ علم البلاغة فنًا مهذبًا إلا منذ صنف يوسف السكاكي ت 626هـ القسم الثالث من كتابه (مفتاح علوم العربية) .
حيث جمع زبدة ما كتبه الأئمة قبله في هذه الفنون، ونظم لآلئها المتفرقة في تضاعيف كتبهم، وأحاط بكثير من قواعدها المبعثرة في الأمهات، ورتبها أحسن ترتيب، وبوَّبها خير تبويب، وفَصَل فنونَ البيان الثلاثة بعضها من بعض؛ لما كان له من واسع الاطلاع على علوم المنطق والفلسفة.
وقد اختصر مؤلَّفه في كتاب آخر سماه (التبيان) ولخَّصه بعض المتأخرين في أمهات مشهورة كما فعل ابن مالك في كتابه (المصباح) والخطيب جلال الدين محمد بن عبدالرحمن القزويني المتوفى سنة 739هـ في كتابيه (تلخيص المفتاح) و (شرح الإيضاح) .
والأخير مؤلف جليل جمع فيه مؤلفه خلاصة (المفتاح) و (دلائل الإعجاز) و (أسرار البلاغة) و (سر الفصاحة) لابن سنان الخفاجي.