فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 51

الخُلُق بين الطبع والتصنّع

هناك فرق كبير بين صاحب الخلق الكريم تربيةً وأصالةً وقناعةً وطبعًا وثباتًا، والمتصنّع للخلق الكريم مداهنةً ونفاقًا، كالفرق بين الصدق والكذب، أو بين الإخلاص والرياء.

ومن السلف من اعتبرَ الدين هو الخلق الكريم، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى:

{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]

أي: لعلى دين عظيم.

وقال ابن القيم رحمه الله: الدِّينُ كلُّه خلق كريم، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين. وسُئل - صلى الله عليه وسلم - عن الدِّين فأجاب: «حسن الخلق» [1] .

وسُئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: «كان خلقه القرآن» [2] .

والخلق الحسن الكريم أن يسيطرَ المسلمُ بروحه على بدنه، ويسمو بنفسه فوقَ حِسّه، ويُحسن الوفاقَ بين عقله وقلبه، فإذا هو سليم الفؤاد، حكيم المقال، رشيد الفعال، لديه من الحصانة الإيمانية والخُلُقية ما يجعلُه يتأبَّى على كل خطيئة أو إثم، ويدفع كل شبهة أو تشكيك.

ولديه من نور البصيرة والهداية ما يجعله أهلًا لرحمة الله في دنياه وأخراه.

وفي القرآن الكريم تفصيل للأخلاق الكريمة، كسورة الحجرات والنساء والنور، وإجمال في كثير من سوره، وبينَ شتَّى الأحكام والموضوعات، وإيجاز معجز في بعض الآيات، كما في قوله تعالى:

{خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]

وأبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى فصَّل الأخلاق في كتابه «إحياء علوم الدين» فاختصرَ ذلكَ الشيخُ جمال الدين القاسمي رحمه الله في كتابه «موعظة المؤمنين» وأوجزَ ابنُ القيم في كتابه «مدارج السالكين» فردَّ الأخلاق إلى أربعة أنواع هي: الصبر، والعفة، والعدل والشجاعة. وكل نوع منها في نظره يشتمل على مزايا وأصناف في الأخلاق، مما ينتظم الأخلاق كلها.

وللأخلاق الفاضلة مرتبة عالية سامية في الإسلام، وعناية بالغة، فهي:

1 -من أهم أهداف البعثة «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [3] ولذا فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يدعو في

(1) رواه أحمد وابن حبان.

(2) رواه أحمد ومسلم وأبو داود.

(3) رواه البخاري في الأدب المفرد والحاكم والبيهقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت