الخُطْبَةُ والخِطْبَة
الخُطبة بضم الخاء، هي ما يقولُه خَطيبٌ ما للناس، وغالبًا ما تُلقى من مكان عالٍ يُشرف منه الخطيبُ على السامعين، والخِطبة بكسر الخاء، هي ما يقال لدى طلب فتاة ما من وليها لتكون زوجة لرجل ما.
والشرع والعقل يدعوان إلى قصر المدة فيهما، ولنبدأ بالخُطبة بضم الخاء.
فالخطيبُ حين يُحسن تحضيرَ خطبته وتلخيصَها، ويختارُهَا ذات موضوع واحد، يعرض أفكاره المهمة وشواهده المقنعة ودلائله الساطعة، فإن ثلث ساعة تكفيه، ولا بأس أن تصل إلى نصف ساعة، فإن زادت تململت الخاصة وضاعتِ العامَّة، والقرآن الكريم من وجوه إعجازه إيجازه، وكل آية فيه دليل على ذلك، وأضرب لذلك مثلًا واحدًا من سورة القصص:
{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7]
فهذه آيةٌ واحدة لخَّصت حياة سيدنا موسى عليه السلام من ولادته إلى رسالته، فيها خبران وأمران ونهيان وبشارتان.
ولقد أفاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ذلك، وأوتي جوامعَ الكَلِم، وكان يُعطي المعنى الكثير في اللفظ القصير، وحسبك حديثان هما: «إنما الأعمالُ بالنيات» [1] و «لا ضررَ ولا ضِرار» [2] . فإنهما يشتملان على معان كثيرة، يُكتب فيها صفحات لمن تدبَّر وعقلَ.
وقال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَمَّ في الناس فليخفف، فإن فيهم المريضَ والضعيفَ وذا الحاجة» [3] .
وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب استطاع السامعُ أن يُحصيَ المعاني ويعدَّ الكلمات؛ لأنه يخطب بهدوء، ويُوجز الخطاب. والصَّحابةُ الكرام سَلكوا هذا السبيلَ، فقد قال أحدهم: الكلامُ كالدواء، إن أقْللت منه نفعَ، وإنْ أكثرتَ منه صَرَعَ.
وقال بعضُهم: البلاغةُ في قِلَّةِ الكَلامِ مع الإصابة، لأنَّ الكلامَ إذا كَثُرَ اختلَّ، وإذا اختلَّ اعتلَّ، وخيرُ الكلام ما قلَّ ودلَّ، ولم يُطِلْ فيُمِلَّ.
وأبلغُ الكلام ما حسن إيجازه وكثر إعجازه، وتساوت صدوره وأعجازه، ترضاه الخاصة وتفهمه
(1) رواه البخاري ومسلم.
(2) رواه أحمد ومالك وابن ماجه.
(3) رواه البخاري ومسلم.