سيقوا كرهًا إلى معركة كانوا يحسّون أنْ ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، وأنها ليست جهادًا في سبيل الله ولا دفاعًا واجبًا عن الأرض ولا عن العرض، لذلك كانوا يفرّون منها، وكان الضابط الموكل بالفُرّار (الذي كنا ندعوه بـ «أبي لبّادة» لأنه يلبس قلنسوة طويلة من اللبّاد) يمسك بكل شاب يراه -إذا هو رأى شابًا- يسأله: نَرْدِه وَثيقة؟ (أي: أين وثيقتك؟) فإذا لم يُبرز وثيقة الإعفاء من الخدمة العسكرية أو الإجازة المعتادة أمر بسحبه إلى مقر التجنيد، وكنا نسميه «السُّوَيقات» ، وكان على طريق المدرسة [1] .
فكنا نرى المقبوض عليهم بالعشرات، نمر بهم كل يوم كما نمر بالجائعين الممددين على جوانب الطرق، الذين يبحثون في أكوام القمامة عن شيء يأكلونه، وكان هذا من المناظر المألوفة! وكان الخبز من النوادر، والأفران مغلقة الأبواب، ما فيها إلا كوة صغيرة يزدحم عليها الناس ليأخذوا أرغفة من الخبز الأسود، وما ذلك إلا لأن الترك أخذوا قمح الشام إلى حلفائهم الألمان، وتركوا أهل الشام (كما تركوا جنودهم في الميدان) بلا طعام!
وزاد البلاءَ وُرودُ الجراد. وإني لأذكر صبيحة إعلان الحرب سنة 1914 وقد تغطت سماء المدرسة بالجراد، تغطت حقيقة والله، كأن أَرْجال [2] الجراد سحابة مطبقة، لا أقولها مجازًا،
(1) قال في «الذكريات» :"وهو في البناءين القائمَين إلى الآن في سوق صاروجا". وأكثر ما يُذكر هنا موجزًا مَرويٌّ هناك بالتفصيل. راجع حلقات الذكريات 4 - 6، في الجزء الأول (مجاهد) .
(2) جمع رِجْل، وهي الجماعة من الجراد (مجاهد) .