وفي هذا رد على من يفهم من أحاديث الغربة انحسار الإسلام وعدم الأمل
بعودته ، وهذا ما يفهمه كثير من اليائسين من هذا الحديث ، وفي كلام شيخ الإسلام
السابق رد على هذا الفهم الخاطئ ، وذلك أن الإسلام إذا عاد غريبًا كما بدأ ، فإنه
سيعود قويًا ظاهرًا كما حصل ذلك بعد غربة الإسلام الأولى .
وهذا الفهم الصحيح هو الذي تشهد له أحاديث صحيحة كثيرة منها قوله:(إن
الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي
منها) [9] ، وقوله:(ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر
ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل: عزًا يعز الله به الإسلام ،
وذلًا يذل به الكفر) [10] .
6-الغربة في شدتها وعظم أجر أهلها ليست على رتبة واحدة وإنما هي
متفاوتة ، فهناك غربة أهل الإسلام بين أهل الأديان الكافرة ، وأشد منها غربة أهل
السنة والإيمان بين أهل الإسلام والفرق الضالة من أهل القبلة . وأشد منها غربة
أهل العلم بين عامة أهل السنة . وأشد منها غربة العلماء المجاهدين الصابرين بين
أهل العلم القاعدين . وهؤلاء هم الذين قال عنهم ابن القيم رحمه الله (تعالى) :(هم
أهل الله حقًا فلا غربة عليهم)وهم الذين قال عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم -:
(إن من ورائكم أيامًا: الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم ،
قالوا: يا نبي الله أوَ منهم ؟ قال: بل منكم) [11] .
7-أهل الغربة وإن كانوا قلة فهم السعداء حقًا ولا وحشة عليهم ، وإن خالفهم
أكثر الناس ؛ فحسبهم راحةً وطمأنينةً أنهم في قافلة الذين أنعم الله عليهم من النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا .
مظاهر الغربة في زماننا اليوم:
يمكن إجمال أهم مظاهر الغربة في الأزمنة الحاضرة اليوم فيما يلي:
1-غربة في العقيدة ، فلا يوجد مَنْ هو متمسك بعقيدة السلف من جميع