الصفحة 29 من 513

وفي هذا رد على من يفهم من أحاديث الغربة انحسار الإسلام وعدم الأمل

بعودته ، وهذا ما يفهمه كثير من اليائسين من هذا الحديث ، وفي كلام شيخ الإسلام

السابق رد على هذا الفهم الخاطئ ، وذلك أن الإسلام إذا عاد غريبًا كما بدأ ، فإنه

سيعود قويًا ظاهرًا كما حصل ذلك بعد غربة الإسلام الأولى .

وهذا الفهم الصحيح هو الذي تشهد له أحاديث صحيحة كثيرة منها قوله:(إن

الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي

منها) [9] ، وقوله:(ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر

ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل: عزًا يعز الله به الإسلام ،

وذلًا يذل به الكفر) [10] .

6-الغربة في شدتها وعظم أجر أهلها ليست على رتبة واحدة وإنما هي

متفاوتة ، فهناك غربة أهل الإسلام بين أهل الأديان الكافرة ، وأشد منها غربة أهل

السنة والإيمان بين أهل الإسلام والفرق الضالة من أهل القبلة . وأشد منها غربة

أهل العلم بين عامة أهل السنة . وأشد منها غربة العلماء المجاهدين الصابرين بين

أهل العلم القاعدين . وهؤلاء هم الذين قال عنهم ابن القيم رحمه الله (تعالى) :(هم

أهل الله حقًا فلا غربة عليهم)وهم الذين قال عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم -:

(إن من ورائكم أيامًا: الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم ،

قالوا: يا نبي الله أوَ منهم ؟ قال: بل منكم) [11] .

7-أهل الغربة وإن كانوا قلة فهم السعداء حقًا ولا وحشة عليهم ، وإن خالفهم

أكثر الناس ؛ فحسبهم راحةً وطمأنينةً أنهم في قافلة الذين أنعم الله عليهم من النبيين

والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا .

مظاهر الغربة في زماننا اليوم:

يمكن إجمال أهم مظاهر الغربة في الأزمنة الحاضرة اليوم فيما يلي:

1-غربة في العقيدة ، فلا يوجد مَنْ هو متمسك بعقيدة السلف من جميع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت