والله يا بابا مو صحيح...
ووقاحة أيضا ؟ أما بقي عنك أدب أبدًا ؟ أتُكَذِّبُ خالتك؟
أنا لا أكذبها، ولكنها تقول أشياء ليست صحيحة.
عند ذلك وثب الأب وانحط بقوته وغلظته وما أتْرَعتْ به نفسَه من مكرها زوجتُه، انحط على الغلام وأقبل يضربه ضرب مجنون ذاهب الرشد، ولم يشف غيظَ نفسه ضربُه فأخذ الدفتر الأسود الذي أودعه دروسه كلها، فمزقه تمزيقًا... ثم تركه هو وأخته بلا عشاء عقوبة لهما وزجرًا...
تعشى الزوجان وابنتهما، وأويا إلى مخدعهما، والغلام جاثم مكانه ينظر إلى قطع الدفتر الذي أفنى فيه لياليه، وعاف لأجله طعامه ومنامه، والذي وضع فيه نور عينيه، وربيع عمره، وبنى عليه أمله ومستقبله... ثم قام يجمع قطعه كما تجمع الأم أشلاء ولدها الذي طوَّحت به قنبلة... فإذا هي نتف لا سبيل إلى جمعها، ولا تعود دفترًا يقرأ فيه إلا إذا عادت هذه الأشلاء بشرًا سويًا يتكلم ويمشي... فأيقن أنه قد رسب في الامتحان، وقد أضاع سنته، وكبر عليه الأمر، ولم تعد أعصابه تحتمل هذا الظلم، وأحس كأن الدنيا تدور به وزاغ بصره، وجعلت أيامه تكر راجعة أمام عينيه كما يكر فلم السينما...
رأى ذلك الوجه الحبيب، وجه أمه، وابتسامتها التي كانت تنسيه آلام الدنيا، وصدرها الذي كان يفزع إليه من خطوب الدهر، رآها في صحتها وشبابها، ورأى البيت وما فيه إلا السلم والهدوء والحب، ورأى أباه أبًا حقيقيًا تفيض به روح الأبوة من عينيه الحانيتين، ويديه الممتلئتين أبدًا بالطُّرَف واللطَف، ولسانه الرطب بكل جميل من القول محبب من الكلام...