وسُلطَان الهوى. أَتَراكَ لم تسمع قط بخليفةٍ قبلك، عَشِقَ فَذَلَّ لمعشوقته، واستوفت منه
حقَّها كاملا. ولكن يامولاي، ما أرى لك نظيرًا في طاعتك ومحبتك. فقال الواثق عند ذلك: لله درّ
العباس بن الأحنف حيث يقول:
أَمَا تَحْسَبِينِي أَرى العاشقين ... قليلا ولَسْتُ أَرَى لي نَظِيرَا
لَعَلَّ الذي بِِيَدَيْهِ القُلُوبُ ... سَيجْعَلُ في الصبرِ خيرًا كثيرًا
وقرأت في (النوادر) لأبي علي، عن معاوية بن صدقة الجَحْدَري قال: كان رجل من مجاشع، يقال
له سعد بن مطرف، يهوى ابنة عم له، يقال لها سعاد. فكان ياتيها، ويتحدث إليها، ولا يعلمها بما هو
عليه من حبها، حتى سلّ جسمه، ونحل بدنه. فبينما هو ذات يوم معها جالس؛ إذ نظر إليها، وجعل
يقول:
وَمَا عَرَضَتْ لي نظرةٌ مُذْ عَرَفْتُهَا ... فَأَنْظُرُ إِلاَّ مُثِّلَتْ حيثُ أَنْظُرُ
أَغَارُ علَى طَرْفي لها فكأنني ... إِذَا رَامَ طَرْفي غَيْرَهَا لستُ أُبْصِرُ
وأحذر أنْ يطغى إِذَا بُحْتُ بالهَوى ... فأَكْتُمُهَا جَهْدِي هَوَايَ وأستُرُ
فلما سمعت ذلك، ساءها، وكرهت أن ينتشر خبرها، فأَقْصَتهُ، وأظهرت هجره، فكتب إليها:
مِتُّ شَوْقًا وكدتُ أَهْلِكُ وَجْدَا ... يومَ أَبْدَى الحبيبُ هجْرًا وَصَدَّا
بِأِبِي مَنْ إِذا دَنَوْتُ إِليهِ ... زَادَني القربُ منه نأيًا وبُعْدا
لاَ وَحُبِّيهِ لاَ وَحَقِّ هَوَاهُ ... مَا تَنَاسَيْتُهُ ولاَ خُنْتُ عَهْدا
حَاشَ لِلَّه أَنْ أَكون خَليًَّا ... مِنْ هَوَاهُ وقد تقطعتُ وَجْدَا
كَيفَ لاكيفَ عن هَوَاهُ سُلُوّي ... وهو شمسُ الضحى إذا ما تبدَّى