شيخ يمر بين يديه يقف هنيهة لقراءة الفاتحة، وتلاوة بعض الأدعية المأثورة بطريقتهم المعروفة في القراءة والدعاء، ثم يهتفون جميعًا بحياة الفاروق ثلاثًا.
ولما انتهى مرور أصحاب الطرق، عاد الملك إلى السرادق الملكي، حيث قدمت صنوف الحلوى، وأنواع المرطبات، فتناول منها جميع الحاضرين وبعد فترة قصيرة بارح جلالته السرادق الملكي قاصدًا تشريف سرادق السادة البكرية [1] ، وما إن أشرف عليه حتى نهض شيخ مشايخ الطرق الصوفية [2] ، وحوله جماعة من كبار المشايخ لاستقبال جلالته بما يليق بمقامه الكريم، ثم ألقيت قصة المولد الشريف، وما إن وصل القارئ إلى ذكر مولده صلى الله عليه وسلم حتى نهض الملك واقفًا إجلالًا وإعظامًا لهذه الذكرى الكريمة وبوقوفه وقف الجمع الحاشد في كمال الخشوع والإكرام، وعند الانتهاء من إلقاء القصة والدعاء للملك، بدأ القرَّاء في تلاوة ما يتيسر من القرآن الكريم، بترتيل حسن، وتنغيم مطرب جميل!!! وجميع القراء من مشهوري المجودين، ومذكوري الملحنين!!، وأصحاب الأصوات الشجية، والأنغام العذبة الندية، ثم تقدم الخدم والفراشون بصواني الحلوى، وأكواب المرطبات إلى بين يدي الملك ليتناول منها ما يشاء، كما أديرت بعد ذلك على سائر الحاضرين فتناول كل أحد منهم ما لذَّ وطاب، وفي أثناء إلقاء القصة الشريفة لم تنقطع المدافع عن دويها المطلق بنظام محكم، وترتيب بديع، كما أخذ المذيع بالراديو في ترديد القصة من أبواقه لإسماع الجمهور، وبعد ذلك نهض الملك وقرأ الفاتحة، وشاركه في قراءتها جميع الحاضرين )) [3] ا. هـ.
وقال السندوبي - أيضًا - في معرض كلامه عن المولد سنة 1366هـ:
(( وفي صبيحة يوم اثنا عشر من ربيع الأول عطلت أعمال الحكومة في وزاراتها ودواوينها ومصالحها، كما عطلت الأعمال في الدوائر المالية والتجارية احتفالًا بذكرى المولد النبوي الشريف على جاري العادة ) ) [4] ا. هـ.
فما تقدم من النصوص التي وصفت طريقه إحياء المولد النبوي في عصور مختلفة، يؤكد لنا أن هذه الاحتفالات ليست إلا تلبية لشهوات ورغبات النفوس المريضة من الناس، ومراسم هذه الاحتفالات من الأكل والشرب وإنشاد القصائد، واختلاط النساء بالرجال، وأعمال اللهو وما يؤول على القائمين على هذه الاحتفالات من الأموال، والعطايا والهدايا، خير شاهد على ما ذكرت.
(1) - وكان لبيت السادة البكرية في إحياء المولد النبوي الشأن العظيم والقدح المعلى، والعناية الفائقة منذ دهر. قاله السندوبي في تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي ص (190) .
(2) - وهو في ذلك الوقت أحمد مراد البكري. يراجع: تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي ص (190) .
(3) - يراجع: تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي ص (196 - 200) .
(4) - يراجع: تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي ص (212) .