ذلك كتاب التحرير لابن الهمام، لأنك إذا جرَّدته من شروحه وحاولت أن تفهم مراد قائله فكأنما تحاول فتح المعميات، ومن الغريب أنك إذا قرأت قبل أن تنظر فيه شروح ابن الحاجب ثم عدت إليه وجدته قد أخذ عبارتهم فأدمجها إدماجا وأخل بوزنها حتى اضطربت العبارة واستغلقت، وأما جمع الجوامع فهو عبارة عن جمع الأقاويل المختلفة بعبارة لا تفيد قارئا ولا سامعا، وهو مع ذلك خلو من الاستدلال على ما يقرره من القواعد).
وإنني أرى أيضا أن من أسباب انغلاق هذه العبارات وتلك المؤلفات أن أكثر مؤلفيها كانوا من الأعاجم، فهم على علو قدرهم وكثرة علمهم لم يتمرسوا بأساليب اللغة العربية، ولذلك فإنا نرى العرب الأقحاح منهم جاءت مؤلفاتهم سهلة العبارة خلوا من أي تعقيد، وأصدق مثل على ذلك كتاب الموافقات للشاطبي، فهو كتاب سهل العبارة واضح المعنى لا تعقيد فيه ولا ألغاز، وهو بحق كما وصفه الشيخ الخضري حيث قال: (لا يجد معه الإنسان حاجة إلى غيره) .
ولقد جاء من متأخري الفقهاء من أدرك صعوبة خوض غمار تلك المؤلفات على كثير من الطلاب بل العلماء أيضا، فلجأ إلى تبسيط هذا العلم للدارسين وتقديمه لهم بعبارات واضحة وسهلة فاستعان في كشف ما بقي من تعقيدها بالأمثلة والشواهد المتعددة، ومن أهم هذه المؤلفات الحديثة في علم أصول الفقه.