بكل هدوء، وبكل وعي ...
والوعي هنا هو القدرة على استحضار المفهوم في اللحظة الحرجة، وإنه لأمر سهل عندما تنظر إليه فيما بعد، ولكنه ليس كذلك عندما تحاصرك المفاجأة، عندما تُبحلِق فيك العيون تنتظر ردة فعلك، عندها تشعر أنَّ الكون كلَّه ينتظرك، عندها يكون القول قولك، وتكون أنت صاحب الموقف الذي يُنسي ما قبله، بل وينسخ الذاكرة السابقة، أخبروني بربكم هل يذكر أحد ـ إلا القليل ـ أنَّ هناك من ارتد من المسلمين؟ لقد أنسى موقف أبي بكر رضي الله عنه مواقف الغفلة التي سقط فيها الذين ينسون. ـ وليس هذا فحسب، بل لقد أنسى منطقُ أبي بكر رضي الله عنه الكفارَ الفرصةَ التي أرادوا التعلق بها لسحق دين محمد صلى الله عليه وسلم، وانتهى الأمر بإجابة أبي بكر رضي الله عنه، فلم يعودوا يذكرون الحدث كما ذكروه أول مرة! إنَّ هذه المواقف هي التي تصنع التاريخ، بل هي التاريخ، وهؤلاء الذين يصنعون تلك المواقف هم الناس، والبقية حواشي (وكومبارس) !
"وبكل هدوء"لأنَّ الفكرة التي ذكرها أبو بكر بسيطة جدًا، لا تغيب عن أمثاله، لذلك فإنه يبقى هادئًا، لا تدهشه المواقف.
وإنك واجد هذا الخلق ثابتًا في أبي بكر لا يفارقه أبدًا، إنه ليس موقفًا يتيمًا، فتظن حصوله موافقة تحصل مع أي إنسان ثمَّ تتكرر أبدًا. قال أبو بكر كلامًا يسمونه الآن المنطق، بمقدماته ونتائجه، ويسمونه استصحاب الحال، الذي لا يغفل عن المعلومة، فيوظفها وقتما شاء. قال:"والله لئن كان قد قاله فقد صدق ... هذا الحرص الذي لا يطيش، الذي يحسب حساب التقول والتزيد، إن كان قاله ... فقد يتقولون عليه للتشويه ... فإن قاله فقد صدق ... والسبب في منتهى البساطة إذ إنني أصدقه في أكثر من هذا .. إنني أكون معه وفي لحظة يقول لي لقد نزل عليَّ وحيٌ الآن ـ وأنت واقف معي ـ من السماء فأصدقه ... فأي عجب فيما تقولون؟! فبمقاييس العجب هذا الذي أخبرتكم عنه أبعد في العجب مما تعجبون منه ... يقول أبو بكر رضي الله عنه: لم العجب؟ ـ إنني أصدقه في نفس فكرة النبوة، فإن صدقته فيها فمن التناقض أن أرفض ما يخبرني به، إن المسالة مسألة نبوة أو لا، فإن سلمت لنبوته فلا عجب، وإن لم اصدق فلا سؤال ولا بحث أصلًا .."
وقد رجعوا لأنفسهم، وأدركوا أنهم كانوا خاطئين، ولم تعد الحادثة بالنسبة لهم محل تشكيك! لا لأنهم صدقوها، بل لأنهم رأوا أنها لا تصلح لنقض نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد اقتنعوا أنها ـ فعلًا ـ ليست شيئًا مع الإيمان بأصل النبوة.